( وقيل : عليك بالصدق حيث تخاف أنّه يضرك فإنّه ينفعك ، ودع الكذب حيث ترى أنّه ينفعك فإنّه يضرك ) لأنّ الصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة ، والكذب يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار ، ( وقيل : كل شيء شيء ) يعتد به ( ومصادفة الكذاب لا شيء ) يعتد به إذ لا خير فيها دنيا وأخرى لأنك لا تثق بخبره ، وإذا كذب لك كذب عليك ، ( وقيل : علامة الكذاب جوده باليمين لغير مستحلف ) لأنّه لما لم يثق بخبر نفسه وخاف من ظهور كذبه بادر إلى تأكيده وستره بيمينه ليتوهم صدقه .
( وقال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف ) أي في سعة الكلام من المعاريض ما يستغني به الظريف الحسن التصرف عن الكذب ، ولقد ذكر من المعاريض لمن أراد أن يستخفي من الناس أنّه كان يدوّر دائرة في الحائط ، ويقول لخادمه : ضع يدك في هذه الدائرة وقل : ليس هو ههنا ، ومنها أن يخرج من باب داره بكرة ، ويرجع إليها ويقول لخادمه : قل لطالبيّ يا سيدي خرج بكرة ، ( وقيل : ما أملق ) أي افتقر ( تاجر صدوق ) لأنّ صدقه يحمله على إظهار العيوب والنصح في المعاملة ، وكل من عرف بهذا رغب الناس في معاملته ، ومالوا إليه طمعا في نصحه وحسن معاملته ، وبهذا يكثر رزقه قال تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطلاق : 2 ] .
شرح
( قوله : حيث تخاف الخ ) مراده طلب الصدق في مظان الضرر به ، وتجنب الكذب في مظان النفع به ، فإنّه قد يكون ما في الواقع خلاف المظنون أو المتوهم ، فالصدق نافع مطلقا ، والكذب ضار أبدا ، ومع ذلك فلا بد من ميزان الشرع المستقيمة . ( قوله : كل شيء الخ ) الغرض التحذير من مصادقة الكذاب حيث هي ضارة غير نافعة . ( قوله : علامة الكذاب الخ ) أي إمارة تحقق كذبه مبادرته بالحلف لغير من استحلفه ، ومثله لا خير فيه ، فيحذر ويتجنب .
( قوله : الكلام أوسع الخ ) المراد أنّ الظريف الحاذق له مندوحة عن الكذب بواسطة سعة معاريض الكلام فالكذب لا يكون إلا من غبي جاهل . ( قوله : وقيل : ما أملق الخ ) مراده الحث على الصدق ببيان ثمرته المألوفة في الدنيا قبل الآخرة اه .