الجهاد في سبيل اللّه ، فإذا بات العبد يعامل اللّه بالصدق في سائر أحواله من قيامه ومنامه ، وشرابه ، وطعامه ، فهو في الجهاد الأكبر لأنّه جهاد النفس ، وهو أكبر من الجهاد في سبيل اللّه لأنّه جهاد دائم متوال . ( سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه اللّه يقول : الصدق أنّ تكون مع الناس كما ترى من نفسك ، أو أن ترى من نفسك كما تكون ) معهم بأن يستوي عندك السر والعلانية فلا تخفي عن الناس ما يعلمه اللّه منك حذرا من ذمهم ، ولا تظهر لهم ما يعلم اللّه خلافه من باطنك طلبا لمدحهم .
( وسئل الحرث المحاسبيّ رحمه اللّه عن علامة الصدق ) فأجاب بعلامة الصادق ، التي يعرف بها علامة الصدق وفي نسخة عن علامة الصادق ( فقال : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ) هذا تعليل للا يبالي ( ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله ، ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله ، فإنّ كراهته لذلك دليل على أنّه يحب الزيادة عندهم ، وليس هذا من أخلاق الصدّيقين ) لمنافاته الصدق ، ( وقال بعضهم : من لم يؤد الفرض الدائم لا يقبل منه الفرض المؤقت ) بوقت كالصلوات الخمس ، ( قيل له :
ما الفرض الدائم ؟ قال : الصدق ) كالإيمان لأنّ العبد مأمور به في كل معاملته كما قال تعالى :
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
[ محمد : 21 ] قال تعالى :
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
[ الأنفال : 29 ] أي نورا تفرقون به بين الحق والباطل ، وقال :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطلاق : 2 ] .
شرح
( قوله : فلا تخفى عن الناس الخ ) ليس المراد من ذلك ذكر العيوب السرية بل المراد النهي عن التصنع بإظهار الأوصاف الحميدة مع أنّه في نفس الأمر صفاته ذميمة . ( قوله :
فأجاب الخ ) أي فكان جوابه ببيان ما يلزم من تعريفه بيان علامة الصدق .
( قوله : فقال : الصادق هو الذي لا يبالي الخ ) محصله أنّ قلبه قد انقطع عن شهود الخلق بسبب غلبة تعلقه واشتغاله بالحق ، فلزم من ذلك أنّ حاله صار مثل ما ذكره .
( قوله : كما قال تعالى : الخ ) وجه الدلالة منها حذف المعمول وهو يؤذن بالعموم في كامل العبادات . ( قوله : قال تعالى : الخ ) وجه الدلالة من الآيتين الشريفتين أنّ التقوى لا تتم إلا بالصدق إذ هو سر قبولها ، والثمرة إنما تترتب على وجوده وتحققه في سائر الطاعات والعبادات .
( قوله : أي نورا تفرقون به الخ ) أي وذلك النور يقذف في القلب بعد صقل مرآته ، فيزيد كشفه بقوّة عين بصيرته ، فيفرق العبد بذلك بين الحق والباطل بإمارات ربانية بواسطة ملك أو بدون واسطة .