لسبب ، ( وقال ذو النون المصري رحمه اللّه تعالى : الصدق سيف اللّه ما وضع على شيء إلا قطعه ) لأنّ المتصف به إن دعى اللّه استجاب له ، وإن أوذي انتصر له ، ( وقال سهل بن عبد اللّه : أوّل خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم ) لأنّ الصدّيق من كثر صدقه في جميع أعماله وأحواله فإذا حدث نفسه بالتقصير في صدقه وتمادى على ذلك ، فقد خان ربه فيما عزم عليه له .
( وسئل فتح الموصليّ عن الصدق فأدخل يده في كير الحدّاد وأخرج الحديدة المحماة ، ووضعها على كفه ، وقال : هذا هو الصدق ) وهو من باب صدق الالتجاء إلى اللّه ، فإذا أراد الوليّ أن يطلع أحدا على خوارق العادات للحاجة إليه صدق في الالتجاء إلى اللّه ، وفعل فعلا خارقا للعادة بإقدار اللّه له عليه ، ومن ذلك ما حكي أنّ رجلا كان شديدا في بطشه لا يطيقه من الناس إلا قليل أمسك امرأة وهي تصيح وتستغيث وبيده سكين لا يجسر أحد يقرب منه إلا عقره قال : فبينا الناس كذلك إذ جاءه بشر بن الحرث فحكه بكتفه وكلمه بقوله : اللّه يراك وما تصنع ، فسقط إلى الأرض مغشيا عليه ، وذهبت المرأة فلما أفاق سأل عن الذي كلمه فقيل له : هو بشر بن الحرث فقال : وافضيحتاه كيف يراني بعد اليوم فحم الرجل من يومه ومات بعد أيام قلائل .
( وقال يوسف بن أسباط : لأن أبيت ليلة أعامل اللّه تعالى بالصدق أحب إلي من أن أضرب بسيفي في سبيل اللّه تعالى ) لأنّ الصدق يحتاج إليه في كل حال بخلاف
شرح
( قوله : الصدق سيف اللّه الخ ) كناية عن تولي الحق أمر الصادق بالإعانة والحفظ والنصرة . ( قوله : أول خيانة الصدّيقين الخ ) أي وذلك لأنّ مقتضى الصدق دوام الجد ، وتصميم العزم ، وهذا الحديث ينافي ذلك فلذا عد من الخيانة . ( قوله : فادخل يده الخ ) أي فقد بينه ببعض كراماته وثمراته . ( قوله : ومن ذلك ما حكي الخ ) أي وهي من نتائج الصدق وتأثيراته ، ولا يخفى بركة مس بشر ، وقوله له . ( قوله : لأنّ الصدق يحتاج إليه الخ ) أي للزومه فيما يتقرب به إليه تعالى كما تقدم من أنّه أصل كل خير ، فلا تتم عبادة إلا به . ( قوله : لأنّه جهاد دائم الخ ) أي ورد العدوّ وقهره أسهل من قهر النفس وردها عن عاداتها ومألوفاتها .
( قوله : الصدق أن تكون مع الناس الخ ) المراد بذلك دوام العبد على التواضع بشهود التقصير لنفسه ، فلا يوفقه استحسان شيء من أعماله حيث ذلك من الغرور بسبب جهل المقدور ، وقوله : أو أن ترى من نفسك الخ معناه الذي يظهر أن أو بمعنى الواو فمراده دوام العبد على قيامه على النفس في خلواته ، وبعده عن الناس مثل قيامه عليها في حال اجتماعه بهم على معنى استواء معاملته لربه في الخلوة وغيرها .