لقد ادعيت مقاما عظيما لا ينبغي لك أن تدعيه ( فقام الغلام ) وكان صادقا في دعواه ( وخطى خطوتين وقال : إلهي إن كنت صادقا فخذني ) إليك ( فخر ميتا ) ومن هنا قال بعضهم : إذا لقيت فقيرا فالقه بالرفق ، ولا تلقه بالعلم ، فإنك إذا لقيته بالعلم ذاب كما يذوب الثلج . ( وحكي عن أبي عمرو الزجاجي أنّه قال : ماتت أمي فورثت منها دارا فبعتها بخمسين دينارا فخرجت إلى الحج ، فلما بلغت بابل ) موضع بالعراق ( استقبلني واحد من القناقنة ) جمع قنقن ، وهو الدليل الهادي والبصير بالماء في حفر القني ( وقال ) لي : ( أيش معك ؟ فقلت في نفسي : الصدق خير ) من الكذب ( ثم قلت ) له :
( خمسون دينارا فقال ) له : ( ناولنيها فناولته الصرة فعدّها فإذا هي خمسون دينارا فقال :
خذها فلقد أخذني صدقك ) أي رهبته فأثرت فيّ فردّتني ( ثم نزل عن الدابة ) التي هو راكبها ( وقال ) لي : ( اركبها فقلت : لا أريد ) الركوب ( فقال ) لي : ( لا بدّ ) منه ( وألح عليّ ) فيه ( فركبتها فقال : ) اذهب ( وأنا ) لاحق بك ( على أثرك ) إلى مكة ، ( فلما كان العام المستقبل لحق بي ولازمني ) في الخير ( حتى مات ) فهذه آثار الصدق وبركاته في الدنيا قبل الأخرى . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت جعفر الخوّاص يقول : سمعت إبراهيم الخوّاص يقول :
الصادق لا تراه إلا في فرض يؤدّيه أو فضل ) أي ندب ( يعمل ) لربه ( فيه ) لأنّ الطاعة التي هي شغله لا يخرج عنها ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا الحسين بن مقسم يقول : سمعت جعفرا الخوّاص يقول : سمعت الجنيد يقول : حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب ) في ظنك لكونك تخشى من الصدق فيه على
شرح
ذلك منه لم يكن لغرض الإيذاء بصريح الرد عليه بل عملا بظاهر الشرع غيرة على مقام الربوبية ، فهو حينئذ غير آثم بل مأجور ، والميت شهيد رضي اللّه عن الجميع .
( قوله : فخر ميتا ) أي وذلك من أقوى الأدلة على الصدق ، ومن إماراته أيضا دوام الجدّ ، والإقبال وترك التفريط في اليسير من الأعمال ، فلا يخاف الصادق لومة لائم ، ولا يحاذر سلطانا جائرا ولا يغتر بكثرة الجنود والعساكر ، ومن ذلك حال الصديق الأكبر على ما هو المشهور عنه حال وفاته صلى اللّه عليه وسلم حين وقع الاضطراب في موته والاختلاف وهو ثابت القلب مطمئن الجنان على عادة الأشراف واللّه أعلم .
( قوله : وحكي عن أبي عمرو الخ ) فائدة ذكر هذه القصة بيان ثمرة الصدق في الدنيا قبل الآخرة ، فاللّه تعالى يوفقنا وإخواننا لما يحبه ويرضاه .
( قوله : لا تراه إلا في فرض الخ ) أي وذلك لأن الصدق جماع كل خير كما تقدم .
( قوله : حقيقة الصدق الخ ) انظره مع حكم الشرع ، فلعل الظن غير قويّ .