الجريري يقول : سمعت سهل بن عبد اللّه يقول : لا يشم رائحة الصدق ) الكامل ( عبد داهن نفسه أو غيره ) بأن يسمح باختلال بعض دينه بخلاف المداراة بأن يسمح ببعض دنياه جبرا لحاله . ( وقال أبو سعيد القرشي : الصادق ) هو ( الذي يتهيأ له أن يموت ) بأن يهجم عليه الموت ( ولا يستحي من سره لو كشف ) للناس بأن يستوي ظاهره وباطنه ، وربما يكون باطنه خيرا من ظاهره بخلاف من كان عنده نقص يخفيه عن الناس ، فهو يكره إطلاعهم عليه في حياته ، وبعد وفاته ، خوفا من نزول درجته عندهم فهو يستحي من أن ينكشف سره . ( قال اللّه تعالى :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ البقرة : 94 ] أي في زعمكم أنّ الجنة لكم خاصة . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : كان أبو عليّ السقفي يتكلم يوما ) على الناس أي يعظهم ( فقال له ) أبو محمد ( عبد اللّه بن منازل : يا أبا علي استعدّ للموت فلا بدّ منه فقال ) له ( أبو علي : وأنت يا عبد اللّه استعد للموت فلا بدّ منه ، فتوسد عبد اللّه ذراعه ووضع رأسه ) عليه وتمدد ( وقال : قد مت ) فمات ( فانقطع أبو علي ) عن الكلام معه ( لأنّه لا
شرح
مجرّد ثناء الحق على الخلق الوافين بالعهود ، وبالثانية أنّ الوفاء بالعهد من الواجب المأمور به .
( قوله : عبد داهن نفسه الخ ) الفرق بين المداهنة والمداراة أنّ الأولى بيع الدين بالدنيا ، والثانية بيع بعض الدنيا لإصلاح الحال والأولى محرمة ، والثانية مندوبة . ( قوله :
عبد داهن نفسه ) أي فعل ما دعته إليه مما لا يشهد له حكم الشرع ، وما كفاه ذلك حتى ارتكاب لذلك تأويلا فاسدا خادع به نفسه وداهنها به . ( قوله : الصادق هو الذي يتهيأ له الخ ) أي وذلك لا يتم للعبد إلا إذا قام على نفسه حتى استقامت على متابعة سيد المرسلين صلى اللّه عليه وسلم .
( قوله : فهو يكره الخ ) أقول : ما كره لأجله أقبح مما هو فيه من النقص ، فلا حول ولا قوّة إلا باللّه . ( قوله : فتمنوا الموت ) قبل هذه الآية ما يصرح بالمقصود منها ، وهو قوله تعالى :قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ[ البقرة : 34 ] أي الجنة أو نعيم الدار الآخرة عند اللّه خالصة أي سالمة لكم خاصة بكم كما تدعون بقولكم : أنّه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، ونصب خالصة على الحال من الدار وعند ظرف الاستقرار في الخبر أعني لكم ، وقوله : من دون الناس في محل نصب لخالصة ، فتمنوا الموت لأنّ من أيقن بدخول الجنة اشتاق إلى التخلص إليها من دار البوار وقذارة الأكدار ، ولا سيما إن كانت خالصة له كما قال علي كرّم اللّه وجهه : لا أبالي إن سقطت على الموت أو سقط الموت علي ، وقال عمار بن ياسر رضي اللّه عنه يوم صفين : الآن ألاقي الأحبة محمدا وحزبه ، وقال حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه حين احتضر وكان يتمنى الموت جاء حبيب