المبطل له ويكون مخلصا ثم يدخل فيه العجب لكونه أضافه لنفسه وقد يسلم عمله من الرياء والعجب ، وتسكن نفسه إليه وإلى حسنه ، ويعتمد عليه فيكون نقصا ، والعارف يرى نفسه محلا لجريان طاعاته بشروط كمالها ، ويكون مشغولا بإفراد ربه بعمله الشريف عن سكون نفسه إلى عمله ، فإذا سكنت نفسه إلى عمله عده رياء لكونه خطر بباله في عمله غير اللّه ، وإذا كان هذا رياء العارفين فأين هو من إخلاص المريدين الذين تخلصت أعمالهم من الرياء المحرم خاصة ، وبينه وبين ما عده العارفون رياء درجات ، ( وقال ذو النون : الإخلاص ما حفظ من العدو ) أي من ( أن يفسده ) هذا حد للعمل الخالص لا للإخلاص .
( وقال أبو عثمان : الإخلاص نسيان رؤية الخلق ) في العمل ( بدوام النظر إلى فضل الخالق ) عليك به هذا إخلاص العارفين فإنّهم يخلصون عملهم حتى من
شرح
العارفين الخ ) أقول : رياؤهم هو رؤيتهم الإخلاص كما تقدم فلا تغفل . ( قوله : أن يخلص عمله من الرياء المبطل له ) أي المبطل لثواب عمله مثل التصنع بالعمل للمخلوق لغرض دنيوي ، وذلك هو الرياء المحرم . ( قوله : لكونه قد أضافه لنفسه ) أي غفلة عمن تفضل عليه بالتوفيق . ( قوله : ولتكن نفسه إليه ) أي فيقف عن الترقيّ وينحجب عن درجات القرب .
( قوله : والعارف يرى نفسه الخ ) أي فيكون عمله غير منظور إليه عنده لا نفعا ولا غيره ، فهو دائما إنما يطالع إحسان الحق تعالى إليه . ( قوله : وبينه وبين ما عداه الخ ) أي لوجود الفرق الظاهر بين من يجتنب المحرم ومن تجتنب خلاف الأفضل . ( قوله :
الإخلاص ما حفظ الخ ) يقرأ حفظ على صيغة المبني للمجهول ، ويصح أن يقرأ مبنيا للفاعل . ( قوله : الإخلاص ما حفظ الخ ) ما واقعة على عمل أي عمل حفظ إفساد العدوّ مثل النفس والهوى والشيطان بأن وقع كاملا على موافقة السنة الشريفة ، ولذلك قد أشار الشارح نفعنا اللّه به .
( قوله : الإخلاص نسيان رؤية الخلق الخ ) هو بيان للإخلاص بلازمه ، وإلا فحقيقة الإخلاص إفراد المعبود بالعبادة ، ثم اعلم أنّ ذلك حال قوم شربوا بكأس الصفاء فورثوا الصبر على طول البلاء ، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت ، وجالت فكرهم بين سرايا حجب الجبروت ، واستظلوا تحت رواق الندم بسبب مطالعة صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى غاية الزهد بالصعود على سلم الورع ، فاستعذبوا مرارة ترك الدنيا ، واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة فسرحت أوراحهم في الفلا حتى أناخوا في رياض النعيم فخاضوا بحر الحياة وردموا خنادق الجزع ، فنزلوا بفناء العلم واستقوا من غدير الحكمة رضي اللّه تعالى عنهم وعنا ببركاتهم .