يترتب عليه ، وما قاله جار على قول من فرق بين سقاه وأسقاه ، والمشهور أنهما بمعنى ، ويقال : سقيته لنفسه وأسقيته لماشيته وأرضه . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت الحسين بن أحمد يقول : قال الجنيد ، لقيت ) وأنا سائر إلى الحج ( شابا من المريدين في البادية تحت شجرة من شجر أم غيلان فقلت ) له : ( ما أجلسك ههنا فقال : حال افتقدته ) أي فقدته ( فمضيت وتركته ، فلما انصرفت من الحج إذا أنا بالشاب قد انتقل إلى موضع قريب من الشجرة فقلت ) له : ( ما جلوسك ) أي ما أجلسك ( ههنا ؟ فقال : وجدت ما كنت أطلبه في هذا الموضع فلزمته ) .
( قال الجنيد : فلا أدري أيهما ) أي حاليه ( كان أشرف ) هل هو ( لزومه لافتقاد حاله أو لزومه للموضع الذي نال فيه مراده ) فائدة هذه الحكاية أنّ المستقيم إذا تعذرت عليه استقامته فحقه التثبت ودوام الطلب ، وإذا فتح عليه بما كان فقده فحقه الشكر والثناء وحفظ الأدب ، وكلاهما من الاستقامة ، ولهذا قيل : الصوفي ابن وقته لا التفات له إلى ماض ولا إلى مستقبل ، فهذا كان في حال مع اللّه ، وهو سائر إلى الحجاز طيب العيش مع مولاه ، فلما أدركه التغير في حاله جلس إلى الأرض متفكرا باحثا عن السبب ، فلما مر به الجنيد سأله عن جلوسه فقال : حال فقدته فلما رجع وجده قد انتقل إلى موضع قريب من ذلك الموضع ، فسأله عن ذلك فأجابه بأنّه وجد ما كان فقده فقال الجنيد : لا أدري أي حاليه أشرف هل هو تثبته وطلبه لما فقده ، أو أدبه وشكره على ما وجده ، هكذا يكون حال المستقيمين مع مولاهم في حالتي المنع والعطاء لا يحجبهم منعه له عن دوام التضرع والطلب ، ولا يشغلهم إحسانه إليهم عن دوام الشكر لنعمه والأدب .
شرح
( قوله : فحقه التثبت الخ ) أي ولذا قيل : قف على الباب لا ليفتح لك الباب يفتح لك الباب . ( قوله : لا التفات له الخ ) أي لأنّه تضييع للوقت بلا فائدة مع أنّ الأمر ليس إليه فافهم .
( قوله : وهكذا يكون حال المستقيمين الخ ) أي لفناء مراداتهم في مراد مولاهم جل شأنه .