المعرفة ، فمن كملت معرفته بربه عظم عنده أمره ونهيه ، فإذا سمع كما أمرت علم أنّه طولب باستقامة تليق بمعرفته بكمال الأمر له ، وحقيق لمن فهم ذلك أن يشيب إذ لا يطيق أحد أن يأتي بعبادة على حسب ما يعرف من عظمة ربه بل لا بدّ أن يستصغر جميع ما يأتي به وإن كان كاملا بالإضافة إلى عظمة ربه ، ولذلك لما نزل
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
[ آل عمران : 102 ] قلقت الصحابة خوفا من كونهم لا يقدرون على القيام بمعنى ذلك ، فأنزل اللّه رحمة لهم
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن : 16 ] ، ( وقيل : إنّ الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنّها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات ) من حظوظ النفس ( والقيام بين يديّ اللّه تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « استقيموا وان تحصوا ) » وتقدم بيانه ، ( وقال الواسطيّ : الخصلة التي بها كملت المحاسن ، وبفقدها قبحت المحاسن ) هي ( الاستقامة ) حتى لو فقدت من أحد ثم ادعى كرامة قبح منه ذلك ، وعدّ نقصا في حاله ، ولو جرى ذلك له كان استدراجا ومكرا نعوذ باللّه من بلائه وفتنته ، وقد قال تعالى :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ الأنعام : 44 ] ، ( وحكي عن الشبليّ رحمه اللّه أنّه قال : الاستقامة أن تشهد الوقت ) الذي أنت فيه ( قيامة ) قامت بأن تستشعر قيامك بين يدي مولاك ، فتحسن استقامتك له في دنياك ، ( ويقال : الاستقامة
شرح
( قوله : إذ لا يطيق أحد الخ ) أي ولذا ورد « سبحانه ما عبدناك حق عبادتك » ، الحديث . ( قوله : بالإضافة الخ ) متعلق بقوله : أن يستصغر الخ . ( قوله : وقيل : إنّ الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر ) أي وذلك مع قطع النظر عن قوله تعالى : ( كما أمرت ) وإلا فهي لا تطاق أصلا ولا بالنسبة للأكابر ، فلا تغفل . ( قوله : وتقدم بيانه ) أي بقوله :
لن تستطيعوا الاستقامة المخالفة للمعتاد . ( قوله : قبح منه ذلك ) أي لأنّه زور وبهتان إذ دعوى الكرامة مع فقد الاستقامة كذب صرف .
( قوله : وقد قال تعالى : الخ ) دليل على ثبوت الاستدراج . ( قوله : الاستقامة أن تشهد الوقت الخ ) محصل ذلك دوام استحضار المراقبة له تعالى في أداء عبادته لتقع على أكمل وجوهها ، وحينئذ فتندرج في جملة يحبهم ويحبونه ممن أحدقوا إحداق البصائر ، وكشفوا براقع الغفلة عن وجوه السرائر ، وقابلوا أشخاص عالم الغيب بصقال مرايا القلوب ، والتقطوا جواهر المعاني من نثار عقود كلم الوحي فحضروا بقلوب غير ملتفتة إلى القوالب ، وخرجوا بعقولهم من ديار هياكل الصلصال إلى أطوار مراتب القدس ، وطلبوا بنجائب الهمم جنائب جلال الوحدانية ، ومالوا بمشام أرواحهم إلى انتشاق نسمات الفردانية تدبر تفهم واللّه أعلم . ( قوله : ويقال : الاستقامة الخ ) بيان لها باعتبار متعلقاتها وحال المبتدىء . ( قوله : ينفي الحجبة ) أي ينفي أسبابها كشهود حسن الأعمال ، والوقوف