الخيرات ونظامها ، ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده قال اللّه تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ
) [ النحل : 92 ] أي أفسدت ( غزلها من بعد قوّة ) أي إحكام له وبرم ( ومن لم يكن مستقيما في صفته لم يرتق من مقامه إلى غيره ، ولم يبن سلوكه على صحة ، فمن شرط المستأنف ) أي المستقبل للعمل ( الاستقامة في إحكام البداية كما أنّ من حق العارف الاستقامة في آداب النهاية ) وقد أشار إلى بيان درجات أهل الاستقامة في البداية والوسائط والنهاية بقوله : ( فمن إمارات استقامة أهل البداية أن لا تشوب معاملتهم ) مع اللّه ( فترة ) أي فتور عنها وإلا منعهم ذلك من الزيادة في مراتبهم والترقي عنها إلى ما هو أعلى منها ، ( ومن إمارات استقامة أهل الوسائط أن لا
شرح
حنظل العبرة ، ويستنشق بدهن أشجار الحزن ، ويطعم من غذاء التوكل ، ويكتحل من قشر عود الغرام ، ولا ينام حتى يرى أنوار التوفيق ، ثم يجلس على بساط قدم الصدق والتصديق منتظرا لما يرى من عجائب ابريز التحقيق ، فحينئذ يبرأ من العلل ، ويأمن طروق الزلل ، فتكون حياته للّه وموته في اللّه .
( قوله : ضاع سعيه ) أي لأنّه بانتفاء الاستقامة يتحقق الابتداع المذموم ، وهو لا يجامع الخير إذ هو جماع الشر أعاذنا اللّه وأحبتنا من ذلك بفضله وكرمه .
( قوله : قال اللّه تعالى :وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها) [ النحل : 92 ] أي ولا تكونوا فيما تصنعون من النقض كالتي نقضت غزلها أي ما غزلته فهو مصدر بمعنى المفعول ، وقوله : من بعد قوّة متعلق بنقضت أي كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد إبرامه وإحكامه إنكاثا أي طاقات وانتصابه على الحال من غزلها ، أو على أنّه مفعول ثان لنقضت ، فإنّه بمعنى صيرت ، والمراد تقبيح النقض بتشبيه الناقض بمثل هذه الخرقاء المعتوهة قيل : إنها ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع ، وفلكة عظيمة على قدرها ، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ، ثم تأمرهن فينقضن .
( قوله : لم يرتق من مقامه إلى غيره ) أي بل ربما يكون لا مقام له أصلا بقطع النظر عن مقام الإيمان ، وإن كان عظيم المنزلة إذ شرط الترقي مصاحبة الأعمال مع الإخلاص .
( قوله : فمن شرط المستأنف الخ ) مراده أنّ من شرط صحة الأعمال وكمالها تحقق الاستقامة فيها التي تكون على طريقة متابعة سيد الكمل صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : الاستقامة في آداب النهاية ) أي بأن يكون دائم التوجه بالإخلاص والصدق مع التبري من الحول والقوّة دائم المجاهدة فارغ القلب مما سوى الحق تعالى .
( قوله : أن لا تشوب الخ ) أي فلا يتم لهم معنى الاستقامة التي هي من أعظم أسباب الترقي إلى عليّ المقامات إلا بدوام الجد والاجتهاد . ( قوله : أن لا يصحب الخ ) محصله