ولكل سالك اعتدال يخصه في مرتبته ، وسيأتي بيانه ، وسببها كمال العلم بالأحكام
شرح
الفاخرة السنية ، فوجدوا أقصى الأعلام التي رفعت لهم قد انتهت في ذلك بهم إلى علم دين اللّه جلت قدرته الذي يعلمه خاصته ، فعلموا أنّه الدليل على مقصدهم ، ومبلغهم إلى مرصدهم ، فدعوا اللّه وسألوه أن يثبتهم بالقول الثابت فيما أملوه ورجوه ، فأسعفهم بالتوفيق لطلب العلم ، وأيدهم في طلبه بالحلم ، فما زال يبصرهم فهما قدما قدما حتى أقامهم على المحبة الواضحة الدالة على كل صالحة ، فلما جعلوا في قارعة الطريق وظهر له سلك الغريق جعلوا الصدق والإخلاص رواحلهم ، والخوف والرجاء والخوف سائقهم وقائدهم ، والعلم الذي دلهم على ذلك رائدهم والجد والاجتهاد رفيقهم ، والتسليم إلى اللّه والتوكل عليه ملتجأهم ، والتبري من الحول والقوّة نعتهم ، وابتغاء وجه مقصدهم ، والاستعانة على جميع ذلك بالحق مرصدهم ولم يزالوا مستقيمين على الطريقة بهذه الأزواد الوثيقة حتى أشرفوا على منازل القبول وانكشفت لهم أعلام الوصول ، فجعلوا الرعاية لذلك حاديهم والإعراض عن كل ما دون مولاهم هاديهم ، فلما انتهوا إلى عرصات المعرفة وصارت الأشواق لهم مألفة ارتقوا هنالك إلى معارج اليقين ، فتنسموا أخبار أحسن الخالقين ، فعند ذلك حوّلوا السير إلى السري في طيّ مناهلهم وامتطوا نجب سرائرهم في قطع حجب بصائرهم حتى علوا بذلك إلى عرصات المشاهدة ، فخفت عليهم المكابدة ، فجعلوا طلب المداومة جليسهم ولزوم القرب والبسط أنيسهم حتى ظفروا بمذاق طعم التوحيد ، وتلذذوا باعتناق التجريد والتفريد ، فحطوا بفناء الراحة ، واستوطنوا منازل السكينة والاستراحة ، فصار الطبع منهم مراقبة الجليل مولاهم وأعلى فراديس الجنان مأواهم ، فاجتمعوا بأحبابهم ودخلوا أجمعين من بابهم ، هذا هو السير إلى الرحمن جلّ وعلا ، فإن عزمت على رشد أمرك فهب لمولاك ما بقي من عمرك .
( قوله : هي لغة ضد الاعوجاج ) أي سواء في المحسوسات أم في المعقولات دينيات أو دنيويات . ( قوله : الاعتدال في السلوك الخ ) السلوك عند القوم هو السير إلى اللّه تعالى بمتابعة سنة سيد الكمل صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله : عن الميل الخ أي عن الانحراف إلى جهة من الجهات التي فيها مخالفة لما ورد عن سيد الرسل وابتداع مذموم لم تشهد له سنته ، واعلم أنّه قد ثبت عن عبد اللّه بن الشخير أنّه قال : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل ، وقال ابن أبي هالة : كان صلى اللّه عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة ، وثبت أنّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّه ليغان على قلبي فأستغفر اللّه في اليوم مائة مرة » « 1 » وفي رواية : « سبعين مرة » ، وعن عليّ رضي اللّه عنه قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن سننه فقال : « المعرفة رأس مالي والعقل أصل ديني ، والحب أساسه ، والشوق
هامش
( 1 ) أخرجه الدارمي ( رقاق 15 ) وأحمد بن حنبل ( 4 ، 211 ) .