عرفوا مقامه ورفعة منزلته عند ربه ، ( وعدم القرار بالقلب ) بأن يكون خائفا من ربه ( إلى أن يصل إلى الرب ) سبحانه . ( وقال أبو بكر الوراق : آفة المريد ) القاطعة له عن الإرادة ( ثلاثة أشياء : التزويج ) بمعنى التزوج لأنّه إذا تعلق قلبه بالزوجة فربما أسرع إليه الفساد لا سيما إذا حدث بينهما أولاد ( وكتبة الحديث ) يعني التفرغ لكتابته وقراءته ودرسه وإن كان فيها فضل لأنّها تشغله عن القيام بما يخصه من إصلاح قلبه وجوارحه واستقامته مع ربه في إخلاصه ، ( والأسفار ) لأنّها تشغل القلب سواء لاقى فيها الأشرار لأنّ ملاقاتهم تورث التغيير وفساد القلب أم الأخيار لأنّ ملاقاتهم تورث التزين لهم والمراآت بإظهار أعمالهم ، ( وقيل له : لم تركت كتابة الحديث ، فقال منعتني عنها الإرادة ) لما بينهما من المنافاة كما علم مما مر ، ( وقال حاتم الأصم : إذا رأيت المريد يريد غير مراده ) بأن نسب نفسه إلى شيء وزعم أنّه من أهله ثم تبين من باطنه خلاف ما أظهر وسلك طريقا غير موصلة إلى مقصوده الذي أظهره ( فاعلم أنّه قد أظهر نذالته ) أي خبث باطنه وسوء سريرته التي أخفاها وأظهر غيرها ، فإذا ادّعى الإرادة وسلك ضد طريقه من التواني والكسل والمحبة للدنيا وطول الأمل فقد أظهر من أخلاقه ما لا يحسن ظهوره ، واطلع الناس على سوء سريرته . ( سمعت محمد بن الحسين ) رحمه اللّه ( يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الكتانيّ يقول : من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء : نومه غلبة ، وأكله فاقة ، وكلامه ضرورة ) لأنّ المريد المجند يصرف عنه كل ما لا حاجة له به لخبر « من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه » « 1 »
شرح
فالمعرفة تحقق العارف بما يقتضيه جلال معروفه حتى يصير ذلك التحقق كأنّه صفة له لا يتحول عنه ، ولا يتزحزح ، وبحسب ذلك فيكون نصب قلبه في كل وقت ، وعلى كل حال . ( قوله : وعدم القرار بالقلب ) أي عدم استقرار القلب وسكونه لمقام من المقامات لأنّ السكون لكل كمال حجاب عما وراءه من الكمالات .
( قوله : آفة المريد ثلاثة أشياء ) أي من حيث ما للنفس في ذلك من الحظ أما إذا صدرت للامتثال مع مراعاة حق الحق تعالى فلا بأس ولا ضرر بل فيها الجزاء الجميل .
( قوله : لما بينهما من المنافاة الخ ) قد علمت أنّه لا منافاة مع انتفاء حظ النفس . ( قوله :
إذا رأيت المريد الخ ) مراده الحث على طريق مساواة الباطن للظاهر لأنّ خلاف ذلك من شيم المنافقين ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « أخوف ما أخاف على أمتي المنافق عليم اللسان » « 2 » . ( قوله :
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( زهد 11 ) وابن ماجة ( فتن 12 ) والموطأ ( حسن الخلق 3 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 201 ) .
( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 ، 22 ، 44 ) .