ولهذا يقال : إنّها ) أي الإرادة ( لوعة ) أي حرقة في الفؤاد ( تهوّن كل روعة ) أي فزعة .
( سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه اللّه يقول : حاكيا عن ممشاد الدينوريّ أنّه قال :
مذ علمت أنّ أحوال الفقراء جدّ كلها ) لا هزل فيها ( لم أمازح فقيرا ، وذلك أنّ فقيرا قدم عليّ فقال ) وكان به جوع : ( أيها الشيخ أريد أن تتخذ لي عصيدة فجرى على لساني إرادة ) أي تشتهي إرادة ( وعصيدة فتأخر الفقير ) أي فلما سمع منه الفقير ذلك أخذته غيرة وقولي حاله ، وتأخر وانصرف ( ولم أشعر به فأمرت باتخاذ عصيدة ، وطلبت الفقير ، فلم أجده فتعرفت خبره فقيل لي : إنّه انصرف من فوره وكان ) عند انصرافه ( يقول في نفسه : ) أي مخاطبا لها ( إرادة وعصيدة إرادة وعصيدة ، وهام على وجهه حتى دخل البادية ، ولم يزل يقول هذه الكلمة حتى مات ) مقصوده بذلك أنّ الفقراء قلوبهم صافية مترقبة لما يرد عليها من اللّه ، ولهذا قيل : إذ لقيت الفقير فالقه بالرفق لا بالعلم لغلبة الأحوال عليه ، فإذا رفق العبد به حتى ينجلي عنه ما هو فيه نفعه وانتفع به ، وإذا طالبه بالعلم وهو في غلبة الحال أهلكه ، وهذا الفقير كان جائعا ، واحتاج إلى طعام وعرف من نفسه أنّه لا يمكنه ابتلاع الخشن ، فقصد هذا الشيخ معتمدا على معرفته بعادات الفقراء وطلب منه ما يوافق جوعه ، وهو العصيدة ، فأجرى اللّه على لسان الشيخ إرادة وعصيدة ، فسمعه الفقير فهام على وجهه فكان ذلك مع جوعه السابق سبب موته . ( وعن بعض المشايخ قال : كنت بالبادية وحدي فضاق صدري فقلت : يا إنس كلموني يا جن كلموني ، فهتف بي هاتف أيش تريد ) من كلامهم ( فقلت : أريد اللّه تعالى فقال ) الهاتف : ( متى تريد اللّه تعالى يعني أنّ من قال للإنس والجن : كلموني متى يكون مريدا للّه تعالى ) لأنّ من كان قلبه مجموعا مع الحق لم يلتفت لإنس ولا جن ولا غيرهما من سائر المخلوقات ، فعلم أنّ الإرادة
شرح
وسبب ذلك في الحقيقة سبق العناية الإلهية وإلا فهو كما أشار صاحب الحكم حيث قال :
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار . ( قوله : نهوض القلب في طلب الحق ) أي عزمه وتصميمه ، وتوجهه بكليته إلى القيام في طلب مرضاة الحق تعالى .
( قوله : لوعة الخ ) محصله أنّ الفقراء الصادقين في سيرهم إلى اللّه تعالى لا هزل عندهم بل كل ما سمعوه أخذوه على وجه الجدّ ، وإن كان في ذلك هلاكهم ، فلا ينبغي معهم استعمال الهزل أصلا .
( قوله : فالقه بالرفق ) أي الترفق وقوله : لا بالعلم أي المجرّد عن الرفق . ( قوله :
فهام على وجهه ) أي لما فهمه من بقاء حظوظ النفس التي لا تجامع الإرادة . ( قوله : فقال الهاتف الخ ) يشير إلى أنّ من العطب التعرّض لغير الحق بالطلب فافهم .
( قوله : فعلم أنّ الإرادة الخ ) مراده الكامل منها . ( قوله : لا يفتر ) أي كل منهما ،