إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
[ الذاريات : 50 ] ( وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال :
حدّثنا أحمد بن عبيد قال : حدّثنا هشام بن عليّ : قال : أخبرنا الحكيم بن أسلم قال :
أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس رضي اللّه عنه أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا استعمله » « 1 » فقيل له كيف يستعمله يا رسول اللّه ؟ فقال : « يوفقه لعمل صالح قبل الموت » « 2 » ومن وفقه اللّه للتجرد تجرد ( والإرادة بدء طريق السالكين ) بمعنى التجرد السابق ( وهي اسم لأوّل منزلة القاصدين إلى اللّه تعالى ، وإنما سميت هذه الصفة ) المسماة بذلك ( إرادة ) مع أنّه لا إرادة فيها للعبد ( لأنّ الإرادة مقدّمة كل أمر ، فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله ، فلما كان هذا ) البدء ( أول الأمر لمن سلك طريق التوصل إلى ( اللّه تعالى سمي إرادة تشبيها بالقصد ) أي الإرادة ( في الأمور الذي هو مقدّمتها والمريد على موجب الاشتقاق ) بفتح الجيم ( من له إرادة كما أنّ العالم من له علم لأنّه من الأسماء المشتقة ولكن المريد في عرف هذه الطائفة من لا
شرح
( قوله : فقال يوفقه لعمل صالح ) أي بعيد عن المعطلات للأجور ، وهو لا يكون إلا بالصدق والإخلاص في العمل ، ومن الصدق محبة العبد أن لا يرى عمله غير من له العمل ، قال أحمد بن أبي الحواري : من أحب أن يعرف بشيء من الخير ويذكر به ، فقد أشرك في عبادته ، وقال ابن أدهم : ما صدق اللّه من أحب الشهرة . ( قوله : ومن وفقه اللّه للتجرد تجرد ) أي فالاعتماد على ما سبق من التقدير بحكمة الرب الخبير ، ونهاية الأمر أنّ الإرادة إمارة على الإرادة ، فهي من قبيل قول سيد الكمل : « اعقل وتوكل » . ( قوله : وإنما سميت هذه الصفة ) أي التي هي التجرد إرادة أي على معنى أنها مرادة له لأنّ الإرادة أي بمعنى القصد والعزم مقدمة كل أمر لسبقها واشتراط تقدّمها في كل عبادة تعتبر لها نية على أنّ قصد كل شيء لا بدّ منه في تحقق ذلك الشيء لأنّه إذا لم يقصد لم يفعل كما صرح به الشارح ، والحاصل أن تسمية ذلك التجرد إرادة فيه توسع بإطلاق اسم السبب على المسبب .
( قوله : ولكن المريد الخ ) أي وذلك لأنّ العبادة من غير تجرد لا تثمر نفعا ، قال في لطائف المنن : اعلم أنّ مبنى أمر الولي على الاكتفاء باللّه والقناعة بعلمه ، والاغتناء بشهوده ، قال تعالى :وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ الطلاق : 3 ] وقال :أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ[ الزمر : 36 ] وقال :أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى[ العلق : 14 ] وقال :أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[ فصلت : 53 ] فمبنى أمورهم في بدايتهم على الفرار من
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( قدر 8 ) وأحمد بن حنبل ( 3 ، 106 ، 120 ، 230 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( جهاد 102 ) وأبو داود ( وتر 1 ) ( علم 10 ) والترمذي ( وتر 1 ) وابن ماجة ( إقامة 114 ) والدارمي ( صلاة 208 ) .