تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤

باب الإرادة

هي عندهم التجرّد للّه في السلوك إلى كمال التوحيد ، وهي ممدوحة ومطلوبة ( قال اللّه عز وجل :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
[ الأنعام : 52 ] وقال :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
[ الشورى : 20 ] وقال :
فَفِرُّوا
شرح
باب الإرادة أي سلوك طريق العبادة ، وهو لا يكون إلا بالمتابعة لسيد الكائنات صلى اللّه عليه وسلم وذلك لا يتم إلا بعد معرفة أحكام شريعته التي هي خير الشرائع ، وهي لا تحسن إلا بالجدّ في التلقي عن شيخ محقق حتى يصح أن يعبد رب الأنام ، وبغير هذا لا يمكن الوصول ، ولا يحصل نيل المأمول ، فإياك والإهمال ، فتحرم الأفضال ، ولا تغتر بفقراء الوقت فإنّ حالهم من جملة المقت ، فلا توافقهم في كثير ولا قليل بل تابع صاحب الخلق الجميل ، واعلم أنّ للعبادة دسائس لأنّ للنفس فيها حظا خفيا لأنها ربما احتوت على رياء وتصنع وتزين وقصد غرض أو عوض ، والاطلاع عليها ربما جر لتزكية النفس وإظهار سر المطلع عليه ، وتعظيمه لأجله إلى غير ذلك من الدسائس التي لا يطلع عليها إلا أولو البصائر ، والحاصل أنّ الطاعة قد تحتوي على حظ كما تحتوي عليه المعصية بل ربما كان هذا أضر لخفائه وظهور حظ المعصية ، فيمكن دفعه دون ذاك ، فإياك والدسائس لتغنم النفائس ، هذا والإرادة إنما يعنون بها ملازمة الطاعات ، والتجرد عن المألوفات . ( قوله : هي عندهم ) أي معاشر الصوفية التجرد للّه الخ ، وقيل : هي نهوض القلب في طلب الحق تعالى . ( قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) أي مثل صهيب وعمار وخبيب ونحوهم ، وقيل : المراد بهم أهل الصفة ، وكانوا نحو سبعمائة رجل قيل : إنّه قال قوم من رؤساء المشركين الكفرة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نح هؤلاء القوم الذين كأن ريحهم ريح الضأن حتى نجالسك كما قال قوم نوح عليه الصلاة والسلام :أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ[ الشعراء : 111 ] فنزلت ، والتعبير عنهم بالموصول لتعليل النهي بما في حيز الصلة ، ومعنى قوله تعالى :يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ[ الأنعام : 52 ] يعني دائبين على الدعاء في جميع الأوقات ، وقيل : في طرفي النهار ، وقوله :يُرِيدُونَ وَجْهَهُأي يقصدون بالدعاء والطلب ذاته تعالى ، فلا يلتفتون إلى غيره .