أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ الإسراء : 1 ] قال فيه : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) مع أنّه دعا غيره من الأنبياء بأسمائهم كيا موسى يا عيسى يا صالح ، ودعاه بيأيها النبيّ يا أيها الرسول ونحوهما تشريفا له ( فلو كان اسم أجلّ من العبودية لسماه به ) في هذه الحالة ( وفي معناه أنشدوا :
يا عمرو ناري عند زهرائي * يعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنّه أشرف أسمائي )
فإنّ ذلك يدل على أنّ عادة العرب في إكرام بعضهم بعضا أن يدعو كل منهم غيره بأشرف الأسماء عنده وأحبها إليه ، ( وقال بعضهم : إنما هو ) يعني المسقط
شرح
مبدأ الإسراء ومنتهاه ، وإضافة التنزيه أو التنزه إلى الموصول المذكور للإشعار بعلية ما في حيز الصلة للمضاف ، فإنّ ذلك من أدلة كمال قدرته تعالى ، وبالغ حكمته ، ونهاية تنزيهه عن صفات المخلوقين ، وقوله : من المسجد الحرام اعلم أنّه اختلف في مبدأ الإسراء فقيل : هو المسجد الحرام بعينه عند الحجر كما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم وقيل : هو دار أمّ هانىء بنت أبي طالب كما رواه ابن عباس ، وعليه فالمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد ، واعلم أنّه اختلف في وقت الإسراء وفي كونه في اليقظة أو في المنام ، والحق أنّه كان في المنام قبل البعثة ، وفي اليقظة بعدها ، واختلف أيضا أنّه كان جسمانيا أو روحانيا ، والحق أنّه كان جسمانيا كما ينبئ عنه التصدير بالتنزيه ، وما في ضمنه من التعجب على أنّ الروحاني ليس عرضة للإنكار كما وقع لقريش ، وليس هو من خوارق العادات هذا ، وعلى كونه جسمانيا لا استحالة فيه ، فإنّه قد ثبت في الهندسة أنّ قطر الشمس ضعف قطر الأرض مائة ونيفا وستين مرّة ، ثم إنّ طرفها الأسفل يصل إلى موضع طرفها الأعلى بحركة الفلك الأعظم مع معاوقة حركة فلكها لها في أقل من ثانية ، وقد تقرّر أنّ الأجسام متساوية في قبول الأعراض التي من جملتها الحركة ، وإنّ اللّه قادر على كل ما تحيط به حيطة الإمكان ، فيقدر على أن يخلق مثل تلك الحركة أو أسرع منها في جسد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وباقي تفصيل هذه القصة يطلب من محله ، فلا نطيل بذكره .
( قوله : وقال فيه : فأوحى إلى عبده ما أوحى ) أي فأوحى جبريل إلى عبده عبد اللّه تعالى وإضماره لغاية ظهوره ما أوحى أي من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة ، قيل : أوحى إليه أنّ الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها ، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك .
( قوله : وفي معناه أنشدوا يا عمرو الخ ) أقول : ولذا قال صاحب الحكم : إذا أردت ورود المواهب عليك صحح الفقر والفاقة لديك ، قلت : وتصحيح ذلك بتقدير عدمك واستشعار ألمك ، وتتبع ذلك بالتفصيل في شواهد أحوالك ، قال تعالى :إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ[ التوبة : 60 ] فافهم . ( قوله : وقال بعضهم الخ ) محصله أنّ المعطل للعبودية شهود