( وسمعته ) أيضا ( يقول : العبادة لأصحاب المجاهدات ) لأنّهم أصحاب أعمال ( والعبودية لأرباب المكابدات ) لأنّهم أصحاب أحوال ( والعبودة صفة أهل المشاهدات ) لأنّهم أصحاب مراقبة وإقبال ، وإلى ذلك أشار بقوله : ( فمن لم يدخر عنه ) تعالى ( نفسه ) بأن أتعبها في أعمال البدن من الصبر والصلاة وغيرهما من سائر القربات ( فهو صاحب عبادة ، ومن لم يضن ) أي يبخل ( عليه ) تعالى ( بقلبه ) بأن أتعبه في الفكر في الملك والملكوت وسائر المخلوقات ( فهو صاحب عبودية ، ومن لم يبخل عليه ) تعالى ( بروحه ) بأن أتعبها له في طلب العون منه والاستغراق في جماله وكماله ( فهو صاحب عبودة ، ويقال : العبودية القيام بحق الطاعات بشرط التوفير ) أي موفرة كاملة ( و ) بشرط ( النظر إلى ما ) حصل ( منك ) من الطاعات ( بعين التقصير ) بأن تراها مع كمالها لا تصلح لجلاله تعالى وعظمته ( و ) بشرط ( شهود ما يحصل من مناقبك ) أي أنّه إنما يحصل ( من التقدير ) أي تقدير اللّه تعالى
شرح
والأحوال ببساط الكرامات ، فهما في الظاهر الوسائل عند الطلب ، ولم يكونا في محل القسمة الأزلية ، ولا في وقتها إذ لا وقت ، فعلة كل شيء إحسانه وكرمه ، وكيف يدخل في أفعاله العلل ، وهو الفاعل المختار الغني عن الكل ويرحم اللّه القائل :بلا عمل مني إليه اكتسبته * سوى محض فضل لا بشيء يعلل( قوله : وتقدّم بيانها ) أي من أنّ علم اليقين هو الحاصل عن النظر في البرهان ، وعين اليقين هو الحاصل من توالي ذلك البرهان على الجنان ، وحق اليقين هو استقرار ذلك العلم في القلب حتى كأنه عيان .
( قوله : بأن أتعبها له في طلب العون الخ ) أقول : ذلك بالنسبة للمريدين أما بالنسبة للعارفين من المحققين فهو إنما يكون بفنائهم عن أنفسهم استغراقا في محبته سبحانه وتعالى .
( قوله : العبودية القيام الخ ) محصله أنّها لا تتحق لعبد إلا إذا قام بما أمر به من العبادة حالة كونها كاملة قد شهد نفسه مقصرا فيها ، وأنّها من محض المنة عليه من البارىء تعالى . ( قوله : العبودية القيام بحق الطاعات الخ ) أي وذلك لأنّ شأن العباد معرفة الأشياء بأصولها ، وتعرف الأسباب الموصلة ليتوصلوا بها إلى مراداتهم ، لكن لما تضمن ذلك الدعاوي بأنّ لهم قوّة يتوصلون بها لما يريدونه ردوا لعلمه تعالى ومشيئته حتى لم يبق لهم دعوى ، ولا تصح لهم أسباب ، ولا يجري لهم نظر في تصريف الحق تعالى ، فتصرفهم بحكم التصريف ، وتعرفهم بحكم التعريف دائمين على أوجه التكليف ، والحاصل أنّ العبودية هي حقيقة المتابعة لسيد الكاملين مع التبري من الحول والقوّة بذوق أنّ الفضل بيده تعالى ، واللّه أعلم .