يعلموا من الشرع ما أمروا به ، ونهوا عنه ، ويقوموا بمقتضاهما ، وهذه صفة العابدين ( والعبودية للخواص ) لما فيها من زيادة التذلل والتبريء من الحول والقوّة ( والعبودة لخاص الخاص ) لكمال معرفته بربه حيث أتى بما طلب منه ورأى نفسه محلا لجريان قضاء اللّه فيه ، ولتوفيقه له في فعل ما طلب منه ، فقلبه أقرب إلى مقام الجمع ، وهو إفراد الحق بالفعل من الثاني لأنّ الثاني شاهد لنفسه كسبا واختيارا وإن كان مفتقرا لعون ربه ، فيما يختاره ، والأوّل أقرب إلى مقام التفرقة لكونه يرى نفسه عابدا محسنا مطيعا ، ويطلب الجزاء على عمله ، والحاصل أنّ الأوّل واقف مع الأعمال ، والثالث مستغرق في الجلال والجمال ، والثاني متبرىء له هو فيه نظر العون الكبير المتعال ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : العبادة لمن له علم اليقين ، والعبودية لمن له عين اليقين ، والعبودية لمن له حق اليقين ) وتقدم بيانها ،
شرح
شكر كان على ضعف في شكره لملاحظة السبب في التحصيل لأنّ الفرح بالمنة من غير استشعار سبب أقوى منه مع استشعاره ، وإن منع لم يرض ، وإن رضي فلا يكون من حيث رؤية اختيار الحق بل من حيث رؤية تقصيره وهو نقص .
( قوله : لكمال معرفته بربه ) أي حيث شهد سبق عناية الحق به حيث أوجده من العدم وآثره بالنعم ، وخصصه بالكرم ، وعرفه بانفراده بالوحدانية ، واتصافه بالصفات العلية مما هو محتاج إليه وهو غني عنه فيه ، وفي غيره ، وكل ذلك جرى من غير استحقاق ولا وسيلة سابقة إذ كان عدما محضا . ( قوله : حيث أتى بما طلبه منه الخ ) أي فقد قام بالطلب لإظهار العبودية ، وللقيام بحق الربوبية ، وعلامة ذلك التفويض في القصد ، والتوكل في التوجه ، والرضا بالواقع من عطاء أو منع ، فيشكر في العطاء ، ويقابل المنع بالقبول ، ويبني ذلك على التحقق بخالص التوحيد وعقد القلب بالامتثال في كل وجه ، قال أبو الحسن رحمه اللّه : لا يكن حظك من الدعاء الفرح بقضاء حاجتك دون الفرح بمناجاة مولاك ، فتكون من المحجوبين .
( قوله : ورأى نفسه محلا لجريان الخ ) أي بشهود معنى خبر : « قد جف القلم بما أنت لاق » ، قال الواسطي رحمه اللّه : أقسام سبقت ونعوت أجريت كيف تنال بأعمال وتكتسب بسعايات ؟ فافهم . ( قوله : فقلبه أقرب إلى مقام الجمع ) أي لأنّه في عين التفرقة بشهود أنّ له نفسا هي محل لجريان فعل الحق تعالى ، أما المتحقق بمقام الجمع فهو الفاني عن شهود نفسه بل هو الفاني عن هذا الفناء . ( قوله : العبادة لمن له علم اليقين الخ ) محصله أنّ العبادة للمريدين السائرين ، والعبودية للمقربين ، والعبودة للعارفين ،يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ[ آل عمران : 74 ] .
( قوله : والعبودية لمن له حق اليقين ) أي ممن شهد أنّ الثواب يتعلق بالأعمال