عمرو بن حمدان قال : حدّثنا عبد اللّه بن شترويه قال : حدثنا بشر بن الحكم قال :
حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه » « 1 » لا بغيره ( ربا ) فلا ينال المقامات العالية من الإيمان والمحبة ، والرضا ، وغيرها إلا من لم يبق في قلبه ربوبية لغير اللّه ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم :
« تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة » فكل من أحب شيئا من الدنيا حبا شديدا حتى تعلق قلبه به واشتغل بحفظه جاز أن يسمى ربا له ، وهو له عبد لخدمته له ، ولهذا قيل للجنيد : ما تقول : فيمن لم يبق عليه من الدنيا إلا مص نواة يتلذذ بها ؟
فقال : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فسماه عبدا لشهوته ، وإن قلت : فمتى نظر العبد في أفعال اللّه به وجريان نعمه عليه ورضي باختياره له ذاق طعم الإيمان ووجد لذته وحلاوته بخلاف من لم يصل إلى هذا المقام وتعاطى الأعمال الشاقة ، وتحملها بالصبر ، وإن كان أجره عظيما ، ( وقيل : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنهما أما بعد فإنّ الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى فارض وإلا فاصبر ) وكل منهما خير ، ( وقيل : إنّ عتبة الغلام بات ليلة يقول إلى الصباح : إن تعذبني فأنا لك محب ، وإن ترحمني فأنا لك محب ) فهو محب لكل ما يرد عليه منه مؤلما كان أو غير مؤلم ، وهو معنى الرضا فإنّ المحب أبدا راض ، بكل ما يريد من محبوبه . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : الإنسان خزف ) أي فخار خلق من طين ( وليس للخزف من الخطر ) أي القدر والمنزلة ( ما يعارض فيه حكم الحق تعالى ) فيه دلالة على أنّ من لم يبلغ مقام الرضا كره ما يجريه اللّه عليه من الأقدار ، وصار في صورة المعارض لرضا اللّه تعالى وقدره ( وقال أبو عثمان
شرح
الكلم لأنّه يتأمل معنى الرب ، وأنّه من التربية ، وأنّ الحق تعالى هو المربي ، والعبد هو المربي ، ولا اختيار للثاني مع الأوّل تفهم تخصيص اسم الرب بالذكر ، وأنّه ينبغي للعبد الفناء عن كامل مراداته واختياراته في مرادات الرب واختياراته . ( قوله : فإن استطعت أن ترضى الخ ) ذلك يفيد أنّ مقام الرضا أشق وأعلى من مقام الصبر ، وهو كذلك . ( قوله :
بات ليلة الخ ) أقول : يدل ذلك على قوّة تمكنه من مقام الرضا . ( قوله : فيه دلالة ) أي وتنبيه بتذكير الأصل على أنّ مثله لا يصح أن يكون في صور المعارضات للحق سبحانه وتعالى .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( إيمان 56 ) والترمذي ( إيمان 10 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 208 ) .