تعالى يفعل بي ما هو أنفع لي ، وأصلح لما جربته من أفعاله ، وتكرّر علي من أفضاله ، ( وقال أبو عمر الدمشقي : الرضا ارتفاع الجزع ) من العبد ( في أي حكم كان ) من الأحكام الموافقة والمخالفة له من البلايا التي تجري عليه مما يجوز الرضا به ، وذلك بأن يتلقاه بالقبول لما يرجوه من الثواب ، ( وقال الجنيد رحمه اللّه : الرضا رفع الاختيار ) بأن لم يبق للعبد بعد نزول القضاء به اختيار في زواله ، ( وقال ابن عطاء :
الرضا نظر القلب إلى قديم اختيار اللّه تعالى للعبد ، وهو ترك التسخط ) فإذا غلب على قلبه أنّ ما سبق به القضاء لا بدّ من وقوعه لم يبق لاختياره فائدة بل يختشى من اختياره أن يقع بسببه في التسخط لقضاء اللّه ، ( وقال رويم : الرضا استقبال الأحكام ) يعني البلايا التي يجوز الرضا بها ( بالفرح ) والسرور فيه زيادة على الرضا إذ يكفي فيه عدم تغير القلب ، وإن لم يكن فرح ، ( وقال المحاسبي : الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام ) يعني البلايا لعلمه أنّ المقادير لا تبديل لها ، ( وقال النوري : ) وفي نسخة ذو النون ( الرضا سرور القلب بمرّ القضاء ) وهو المخالف لهوى النفس ، فحلوه مفهوم بالأولى ، وهذا قريب مما قاله رويم ، لكن في ذلك زيادة وهي الاستقبال ، فإنّه يقتضي تقديم السرور على نزول القضاء . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت أبا الحسين الفارسيّ يقول : سمعت الجريري يقول : من رضي بدون قدره رفعه اللّه تعالى فوق غايته ) أخذا من خبر « من تواضع للّه رفعه اللّه » ومن هنا جاز للراضي بمنزلة أن يدعو بأرفع منها ويسألها ويتمناها ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أحمد بن عليّ يقول : سمعت الحسن بن علوية يقول : قال أبو تراب النخشبي : ليس ينال الرضا من الدنيا في قلبه مقدار ) لأنّ من أحبها حبا شديدا تألم لفقدانها ، فهو يكره زوالها ، والراضي لا بدّ أن يرضا بكل ما يجريه اللّه تعالى عليه ، وافق غرضه ، أو خالفه كما مرّ . ( أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه قال : أخبرنا أبو
شرح
باللّه تعالى من ضررها وأسباب دخولها ، فكيف يصح الرضا بها ؟ وأقول : ذلك غير لازم لأنّ معنى كلامه : أنّه لم يختر دخولها ولا تسبب فيه لأنّ ذلك ينافي النهي ، أما سكون قلبه بعد جريان الأقدار من غير اختياره فهو من شيم صغار الراضين . ( قوله : وقال أبو عمر الخ ) أقول : الذي قبله أبلغ منه فكل إناء بالذي فيه ينضح . ( قوله : الرضا نظر القلب الخ ) أقول : وبواسطة التسليم تفهم حكمة الحكيم . ( قوله : فيه زيادة الخ ) أي فهو من المبالغة في التمكن من مقام الرضا . ( قوله : فحلوه مفهوم بالأولى ) أقول : ذلك بالنسبة للمريدين أما العارفون والمحققون فلا فرق عندهم بين مرّه وحلوه بل شأنهم كراهة حلوه خوف المحنة إذا كان مما يلائم النفس . ( قوله : ومن هنا الخ ) تأمله فإنّه دقيق واللّه ولي التوفيق . ( قوله : ذاق طعم الإيمان الخ ) تأمل ما منحه صلى اللّه عليه وسلم من إشارات الحكم وجوامع