بما رضي اللّه به واختاره له ، وسئلت رابعة العدوية متى يكون العبد راضيا ؟ فقالت :
إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة ) هذا بالغ وإنما يتم للعبد ذلك إذا حسن ظنه بربه ، ولطفه به ، وأنّه لا يجري عليه إلا ما فيه صلاحه فيسر حينئذ بجميع ما يجريه عليه ، ومتى سر بذلك كان راضيا به .
( وقيل : قال الشبلي بين يدي الجنيد لا حول ولا قوّة إلا باللّه فقال له الجنيد : ) لفهمه عنه أنّه قال ذلك لثقل ما ورد عليه حتى استعان بلا حول ، ولا قوّة إلا باللّه ( قولك : ذا ) أي لا حول ولا قوّة إلا باللّه ( ضيق صدر ) أي يدل عليه ( وضيق الصدر ) إنما يكون ( لترك الرضا بالقضاء ، فسكت الشبليّ ) أما لما فهمه الجنيد أو لأنّه كان راضيا ولكنه تبرأ من دعوى هذا المقام ، ورآه إنما هو بحول اللّه وقوّته ، وعونه ، فإنّ كل مقام لا قوة للعبد على القيام به ، إلا بعون ربه . ( وقال أبو سليمان الداراني :
الرضا ) الكامل ( أنّ لا تسأل اللّه تعالى الجنة ، ولا تستعيذ به من النار ) بل تكل أمرك إلى ربك لعلمه بحالك ولطفه بك في سائر أحوالك وتعتمد على اللّه تعالى في أن يأتيك بما يصلحك ، فتسكن نفسك لذلك ، وتفتر عن سؤال المصلحة لعلمك بأنّها تحصل لك منه للطفه بك ، ووصفه للراضي بترك ما ذكر لا من حيث أنّه عبادة بل من حيث أنّه رضا بحسن ما أجراه عليه مولاه ، فلا ينافي أن يسأل اللّه ذلك عبادة لأمر مولاه به . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت أبا العباس البغداديّ
شرح
ألا فارمقي الدنيا بعينيّ واسمعي * بأذنيّ دوما وانطقي بلسانيا( قوله : فقالت : إذا سرته المصيبة الخ ) أقول : هذا أمر يستبعده كثير من الناس من حيث العادة ، وسببه نظرهم إلى إحدى جهتي الفعل ، وغفلتهم عن الجهة الأخرى ، وذلك لأنّ الفعل قد يكون متعبا للبدن منعما للقلب ، فمن نظره من جهة إتعابه للبدن عده مؤلما ، ومن نظره من حيث منفعته وفائدته رآه موافقا خفيفا ملذا للقلوب ، وإذا خفت الأعمال على القلوب تبعها البدن بجوارحه ، وهذا أمر جار في سائر التصرفات العادية كالصناعات والتجارات ، فإنّهم يهون عليهم تحمل الأثقال لما يرجونه من حسن الثمرات والفوائد ، هذا وقولها إذا سرته الخ لعله بمراعاة حال السائل ومقامه ، وإلا فمقامها نفعنا اللّه ببركاتها كراهة النعمة خوف الفتنة والسرور ، والمصائب طلبا لرضا الحبائب . ( قوله :
أما لما فهمه الجنيد الخ ) الأولى عدم الترديد والاقتصار على الأوّل حيث هو اللائق بمقام الجنيد لأنّه إمام العارفين ، وقدوة المسلكين . ( قوله : الرضا أن لا تسأل اللّه الجنة ) أي حال كونك واقفا مع حظك ، والغفلة عن مراد ربك ، أما إذا كان بقصد العبادة ، فهو غير ضار بل هو من أسباب الحسنى وزيادة . ( قوله : ثلاثة من أعلام الرضا الخ ) مراده بالرضا الفرد الكامل منه كما هو ظاهر إذ لا يتم ذلك إلا للعارفين من المحققين .