وإن كانت مرادة للّه بناء على المشهور من أنّ الأمر غير الإرادة ، وأنّ اللّه يأمر بما لا يريد وقوعه من العبد ، وينهي عما يريد وقوعه منه ، فإذا قدر اللّه عليه بمعصية ، فلا يجوز له الرضا بها بل يبكي ويتألم ، ويسأل السلامة منها ومن قال : أنّ الرضا الإرادة حمل العباد في الآية على المؤمنين كما حملوا على الخلص في قوله :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ
شرح
المكروهات ، بل ندبهم إلى البعد عنها ، وهذا هو المعلوم من أدلة الشرع مع أنّ جميع الأفعال والحركات والسكنات واقعة بإرادته تعالى خيرها وشرها ، إذ الحامل على الرضا وعدمه الأمر والنهي ، وهو تعالى يأمر بما لا يريد وقوعه عند أهل الحق لأنّه قد أمر الكفار بالإيمان ، ولم يرده منهم ، وإلا لم يكونوا كفارا ، ولا سبيل إلى إنكار كونه مريدا لكفرهم ، إذ لا فاعل غيره ، فالعلم بانفراده تعالى بالأفعال قائم بالقلوب ، والعبيد مصرفون بأوامره ونواهيه عالمون بأنّهم لا يجري عليهم ولا على غيرهم إلا ما أراده ، فإذا رسخت في قلوبهم هذه العلوم رضوا باختيار مولاهم ، وتركوا ما يختارونه لأنفسهم ، واعلم أنّ الرضا ينقسم إلى واجب ومندوب ، فالواجب ما حجز عن التسخط وكراهية القضاء منه تعالى ، والمندوب ما حجز عما لم يمنع الشارع منه كالتوسع في المأكل والمشرب والملبس والمنكح ، وغير ذلك من بقية الشهوات الجائزة ، أو يقال في الرضا :
المندوب هو سكون القلب تحت مجاري الأقدار ، المخالفة للهوى الذي لم يمنع الشرع ارتكابه كالتوسع في المعيشة زمن الحياة ، والحاصل أنّه يجب الرضا بقضاء اللّه تعالى ، وقدره إذا دل عليه شاهد علم الشرع لا مطلق قضاء ، وقدر الشامل للكفر والمعاصي فالقضاء والقدر باعتبار مصدرهما يجب الرضا بهما مطلقا سواء كان متعلقهما خيرا أو شرا والمقضي به يجب الرضا به بشاهد علم الشريعة لا كالكفر والمعاصي .
فائدة :
هل يمكن العبد الرضا بما فتح اللّه عليه به من الخيرات مع طلبه لما ندبه الشرع إليه من الزيادات أو يكون رضاؤه بما هو فيه مانعا له من النظر إلى ما سواه ؟ قلت : الأوّل هو الصحيح ، ولا يمنع الرضا بالحاصل طلب ما لم يحصل لأنّ متعلق الرضا هو الحاصل ، ومتعلق الطلب هو ما لم يحصل وإذا اختلف المتعلق وتعدد أمكن القيام بالنفس ، وإنما غير الممكن كون الفعل الواحد مسخوطا مرضيا في حال واحد كيف وسادات الراضين لا يزالون طالبين ؟ ثم قولنا الأوّل هو الصحيح يشهد له قوله تعالى :وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً[ طه : 114 ] فمعرفة الإنسان صلاحية فعلق القدرة القديمة بكل ممكن ، وانتفاء نهايات كمالات الحق وإحساناته تحمله على الطلب من ربه جل شأنه وعمله بحسن نظره له والاختيار لما من به عليه من إحسانه في الحال يوجب له الرضا بما جرت به الأقدار ، وإذا اختلف الموجب والموجب ، فلا بعد في الرضا والطلب .