هل هو من الأحوال أو من المقامات ؟ فأهل خراسان قالوا : الرضا من جملة المقامات وهو نهاية التوكل ، ومعناه أنه يؤول إلى أنّه مما يتوصل إليه العبد بإكتسابه ، وأما العراقيون فإنّهم قالوا : الرضا من جملة الأحوال وليس ذلك كسبا للعبد بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال ، ويمكن الجمع بين اللسانين ) أي قولي الفريقين ( فيقال :
بداية الرضا مكتسبة للعبد ، وهي من المقامات ، ونهايته من جملة الأحوال وليست بمكتسبة ) له كالنوازل الضرورية كالرعشة ، والرعدة بالحمى وتقدم ذلك . ( وتكلم الناس في الرضا ، فكل عبر ) بما قاله : ( عن حاله وشربه ) بكسر الشين أي نصيبه ( فهم في العبارة عنه مختلفون كما أنّهم في الشرب والنصيب من ذلك متفاوتون ) عطف النصيب على الشرب للتفسير ( فأما شرط العلم ) بكون العبد راضيا ( والذي هو لا بدّ منه ) فيعلم من قوله : ( فالراضي باللّه تعالى هو الذي لا يعترض على تقديره ) عطفه على الشرط تفسير له . ( سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق ) رحمه اللّه ( يقول : ليس ) ثمرة ( الرضا أن لا تحس ) أنت ( بالبلاء ) ولا بالألم ( إنما ) ثمرة ( الرضا أن لا تعترض على الحكم والقضا ) وإن أحسست بالبلاء والألم موافقا كان لهواك أو مخالفا له لجهلك بعاقبة ذلك الحكم ، وحسن ظنك باختيار اللّه لك ، وتقريبه أنّ الطبيب ، إذا سقى العليل مرا من الأدوية ، فهو يجد مرارته ، ويتألم لشربه إلا أنّه راض بشربه محب له لما يرجوه من العافية وثوقا بعلم الطبيب ، ( واعلم أنّ الواجب على العبد أن يرضى بالقضاء الذي أمر بالرضا به ) ويرضى ببعض المقضيات لا بكلها ( إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا به كالمعاصي وفنون محن المسلمين ) قال تعالى :
وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
[ الزمر : 7 ] فلا يجوز للعبد الرضا بسائر المعاصي ،
شرح
فيه ، والمقامات ما تحقق العبد فيه من الأخلاق ، فقام كل أحد موضع إقامته فافهم واللّه أعلم .
( قوله : هل هو من الأحوال ) أي الغير مكتسبة ، أو من المقامات يعني المكتسبة ، هذا مراده . ( قوله : وهو نهاية التوكل ) أي التفويض . ( قوله : بل هو نازلة ) أي بطريق الفيض الإلهي . ( قوله : ويمكن الجمع الخ ) محصله جعل الأحوال ثمرة المقامات .
( قوله : فأما شرط العلم الخ ) المراد بيان ما يحقق اتصاف العبد بالرضا والعلم بكونه راضيا ، وهو عدم اعتراضه على شيء من المقدرات . ( قوله : ليس ثمرة الرضا أن لا تحس الخ ) أي أصل تحقق الرضا لا يشترط في ثمرته عدم الإحساس بالبلاء أما كماله فيشترط في ثمرته ذلك بل قد تكون اللذة بالبلاء خلفا عن وجدان الألم في هذه الحالة . ( قوله :
واعلم أنّ الواجب الخ ) أقول : الذي يلزم العبد الرضا به هي الأفعال الجارية عليه من ربه في دنياه التي لم يأمر بتجنبها ، فإنّ اللّه لم يرض لعباده الكفر ، ولا الفسوق ، ولا تعاطي