متأخرا ، ولا يستزيد مزيدا ، ولا يستبدل حالا ، ويقال غير ذلك ، كما سيأتي ، وسببه تفكر العبد في تفاصيل منن اللّه تعالى عليه ، وما خصه به من غير عمل منه وثمرته عدم الاعتراض على شيء من المقدور ، والسلامة من كراهته فلا يتمنى أنّه لم يقع ولا زواله بعد وقوعه ، وهذا لا يمنع الدعاء بما لم يقع من الخيرات إذ الدعاء بالممكن لا يمنع الرضا بالحاصل ، وإن زال ضمنا فإنّه غير مقصود ، والرضا ممدوح ومطلوب ( قال اللّه سبحانه وتعالى :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
[ المجادلة : 22 ] وأخبرنا عليّ بن أحمد الأهوازي رحمه اللّه قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال : حدثنا الكريمي قال : حدثنا يعقوب بن إسماعيل السلال قال : حدثنا أبو عاصم العباداني عن
شرح
( قوله : ترك الاختيار ) أي بالنسبة للمتمكن في مقام التفويض ، ولذلك كان أوّل الرضا نهاية التوكل كما قدمناه . ( قوله : ويقال : الوقوف الصادق الخ ) أي ولذلك أشار بعضهم حيث قال شعرا :وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة * طربا لذكرك فليلمني اللوّمفالرضا هو فناء مراد العبد في مراد سيده .
( قوله : تفكر العبد في تفاصيل الخ ) أي وفي كمال معرفته بما له تعالى من الصفات ، وعموم تعلقها بالكائنات ، وقدرته وإرادته لسائر الممكنات ، فمن تقررت هذه المعارف في قلبه أذعنت نفسه إلى معروفه ، وحكمه ، وأمره ، وسلمت ورضيت خصوصا إذا علم أنّ التسخط لا يجدي بل يفوت الخيرات العاجلة والآجلة ، فلا يسعه إلا أن يسلم ويرضى إذ غير ذلك شأن العاجز المحروم الخاسر . ( قوله : تفكر العبد ) أي بشهود أنّ الخير فيما اختاره اللّه بحكمته ، فيسكن وينشرح قلبه لجميع ما يجريه الحق تعالى من تصاريفه في خلقه . ( قوله : وهذا لا يمنع الدعاء بما لم يقع من الخيرات ) أي حيث كان من الممكن وقوعه نعم إنما يكون ذلك بقصد الامتثال لأمر الحق سبحانه بالدعاء والطلب . ( قوله : رضي اللّه عنهم ) استئناف آخر بعدما حكي من حال الصادقين في التوحيد ، وفي الأحكام الشرعية ، وأنّ صدقهم المستمر ينفعهم يوم القيامة وأن لهمجَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً[ البينة : 8 ] جيء به لبيان أنّه عز وجل أفاض عليهم غير ما ذكر من الجنات مما لا قدر لها عنده ، وهو رضوانه الذي لا غاية وراءه ، كما ينبئ عنه قوله تعالى :وَرَضُوا عَنْهُ[ المجادلة : 22 ] إذ لا شيء أعز منه حتى تمتد إليه أعناق الهمم ، وقوله جل جلاله :ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ المجادلة : 22 ] إشارة إلى نيل رضوانه ، وقيل إلى نيل الكل وإنما كان هذا الفوز عظيما لأنّه على حسب المفوز به ولا أعظم من رضوان اللّه . ( قوله : رضي اللّه عنهم الخ ) أي حيث تجلى عليهم بالتوفيق