به ومأذونا له فيه ، ولا تتم له هذه الرعاية إلا باستشعاره نظر الحق إليه .
( وقيل : كان ابن عمر رضي اللّه عنه في سفر فرأى غلاما يرعى غنما ) فأعجبه حسن رعايته لها في الظاهر ، فأراد أن يختبر باطنه هل ذلك عن دين أو عادة ( فقال له : تبيع من هذه الغنم واحدة فقال ) له : ( إنها ليست لي فقال : قل لصاحبها أنّ الذئب أخذ منها واحدة فقال ) له ( العبد : فأين اللّه ) فإنّه يعلم ذلك ويؤاخذني به ؟ ( فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدة : قال ذلك العبد فأين اللّه ) لأنّه لما علم بذلك دينه ومراقبته للّه أعجبه حاله ، وصار عبرة له يتذكر به زمانا ، وروي أنّه سأل عن رب الغنم فاشتراه والغنم وأعتقه ووهبها له ( وقال الجنيد : من تحقق ) أي ثبت ( في المراقبة خاف على فوت حظه من ربه لا غير ) لأنّ المراقبة على درجات ، فقد يراقب العبد أحكام ربه ليسلم من العقاب وقد يراقبها لزيادة الثواب ، وقد يراقبها ليرتفع الحجاب ، وقد يراقبها ليكون من الأحباب ، فإذا وصل إلى هذا الحال الشريف راقب ربه وأدام نظره لما يتفضل به عليه ليسلم من الغفلات التي يفوت بسببها حظه من مولاه ، فمراقبته له بهذا التقدير خوفا من فوات حظه منه أفضل المراقبات . ( وكان بعض المشايخ له تلامذة فكان يخص واحدا منهم بإقباله له عليه أكثر مما يقبل على غيره فقالوا له في ذلك : ) أي ما السبب فيه ؟ ( فقال : أبين لكم ذلك فدفع إلى كل واحد من تلامذته طائرا ) الأولى طيرا ( وقال له : اذبحه بحيث لا يراه أحد ودفع إلى هذا ) الواحد طيرا وقال له : مثل ذلك ( أيضا فمضوا ورجع كل واحد منهم وقد ذبح طائره ) لكونه لم ير بمكان الذبح أحدا من بني آدم ( وجاء هذا ) الواحد ( بالطائر ) معه ( حيا فقال ) له : ( هلا ذبحته فقال : أمرتني أن أذبحه بحيث لا يراه أحد ، ولم أجد موضعا لا يراه فيه أحد ) إذ لم أجد موضعا إلا واللّه يراه فيه ( فقال : لهذا أخصه بإقبالي عليه ) ، فيه دلالة على أنّ مقام المراقبة للّه تعالى أفضل المقامات وإن ارتفعت مقامات العابدين ،
شرح
مراقبة الحق تعالى في جميع أفعاله وما يجري من أحكامه لما سلم من القواطع عن الوصول ، ولما بلغ غاية المأمول . ( قوله : فقال له قل لصاحبك الخ ) فيه أنّ ذلك حمل على الكذب ، وهو لا يجوز قلت : لعله رضي اللّه عنه رأى لذلك مسوغا بالتعريض أو غيره . ( قوله : فكان ابن عمر يقول : الخ ) أي لأنّ الحكمة ضالة المؤمن يأخذها من حيث وجدها . ( قوله : فاشتراه الخ ) أنظر ثمرة الصدق والمراقبة العاجلة كي تعلم كيف يكون الحال في الآجلة . ( قوله : ليكون من الأحباب ) أي ذلك أعلى مقامات المراقبة . ( قوله :
التي يفوت بسببها حظه من مولاه ) أي والحظ لمثل هذا هو القرب والفناء في مرادات الرب . ( قوله : وكان بعض المشايخ الخ ) قد تقدم ذكر هذه القصة وإنما أعادها لرعاية المقام . ( قوله : الأولى طيرا ) أي لأنّ الطائر حقيقة المتلبس بالطيران بالفعل وليس مرادا .