وزير فكان بين يديه يوما فالتفت ) الوزير ( إلى بعض الغلمان الذين كانوا وقوفا لا لريبة ، ولكن لحركة أو صوت أحس به منهم ، فاتفق أنّ ذلك الأمير نظر إلى هذا الوزير في تلك الحالة فخاف الوزير أن يتوهم ) منه ( الأمير أنّه نظر إليهم لريبة فجعل ينظر إليه ) أي إلى الأمير ( كذلك ) أي ملتفتا إلى جهة أخرى كنظره الأول ( فبعد ذلك اليوم كان هذا الوزير يدخل على هذا الأمير أبدا ، وهو ينظر إلى جانب حتى توهم ) ذلك ( الأمير أن ذلك خلفة وحول فيه ) وزال من قلب الوزير ما توهمه من الأمير ، ( فهذه مراقبة مخلوق لمخلوق فكيف مراقبة العبد لسيده ) مقصود ذلك أن من علت رتبته مع مولاه ينبغي أن يكون أدبه أشرف أدب ، فيراعي فيها حرمة الملك ، ولو في أدنى سبب خوفا من البعد والعطب . ( سمعت بعض الفقراء يقول : كان أمير له غلام يقبل عليه أكثر من إقباله على غيره من علمائه ، ولم يكن أكثرهم قيمة ، ولا أحسنهم صورة فقالوا له في ذلك : ) أي ما السبب فيه ؟ ( فأراد الأمير أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره فيوما من الأيام كان راكبا ومعه الحشم ) أي الخدم ( وبالبعد منهم جبل عليه ثلج ، فنظر الأمير إلى ذلك الثلج وأطرق فركض الغلام فرسه ولم يعلم القوم لماذا ركض ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ، ومعه شيء من الثلج فقال له الأمير : ما أدراك أني أردت الثلج فقال الغلام : لأنك نظرت إليه ونظر السلطان إلى
شرح
( قوله : وسمعت بعض الفقراء يقول : الخ ) أقول هي مثل ما قبلها في الغرض ، والمراد التأكيد والتقريب ليتشوق من رام وصوله إلى الحبيب اه .
لطيفة من باب شهود أن لا فاعل غيره تعالى ، وعدم الالتفات إلى غيره ، ما روي عن أحمد بن خضرويه البلخيّ أنه اقترض من رجل مائة ألف درهم لأمر عرض له فقال له الرجل : ألستم الزهاد في الدنيا ما تصنع بهذه الدراهم فقال له : أشتري بها لقمة وأضعها في فم مؤمن ولا أجترىء على اللّه أن اسأله ثوابها قال له الرجل : ولم ؟ قال : « لأنّ الدنيا كلها تزن عند اللّه جناح بعوضة » « 1 » فما مائة ألف درهم من الدنيا في جناح بعوضة ، وما قدرها قلت : وذلك بالغ في المعرفة لأنّه وقع من متثبت مراقبة لمولاه لا يحمله ما سمعه من التوبيخ بالزهد والاعتراض على كثرة الاقتراض على النفور والخروج عن حد الاعتدال في الجواب إذ قوله : أشتري بها لقمة الخ تقليل للدنيا ، وتحقير لها ، وتنبيه على أنّ كل ما يعامل به اللّه تعالى ليس بعظيم إذا صحت فيه النية ، وزاد قوله : ولا أجترىء الخ لأجل زيادة التحقير للدنيا حيث علله بأنّه جزء يسير من جناح بعوضة فافهم .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة 18 ، 6 ) ومسلم ( منافقين 18 ) وابن ماجة ( زهد 3 ) .