والمشاهدة . ( سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه اللّه يقول : كان لبعض الأمراء
شرح
بالكشف أو المشاهدة أو المعاينة أو المكافحة على حسب استعداد العبد المقرب . اه .
تنبيه وإيقاظ : قيل : من المراقبة ما روي أنّ علي بن بكار قال : كنا جلوسا مع إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه في المصيصة عند الجامع فقدم رجل من خراسان فقال : أيكم إبراهيم بن أدهم فقال له القوم : هذا فقال له إني جئتك من جهة إخوتك بعثوني إليك ، فلما سمع ذكر إخوته قال فأخذه بيده ونحاه . وقال له : ما حاجتك ؟ فقال : أنا مملوك ومعي فرس وعشرة آلاف درهم ، وقيل : دينار بعث بها إخوتك إليك فقال له : إن كنت صادقا فأنت حر ، وما معك فهو لك إذهب ولا تخبر أحدا قلت : وهذا منه غاية في مراقبة حاله ، وأحكام ربه ، وحفظ وقته ، واعلم أنّ غرضي بذكر هذه الحكاية تقريب حكم الغائب بحال الشاهد ليتنبه من هو في الغفلات راقد لأنّه إذا ثبت هذا من مثل هذا الصعلوك ، فكيف يكون الحال مع ملك الملوك ؟ فافهم .
فائدة : قيل : إنّه جاء رجل إلى ذي النون المصريّ وقال له : واللّه إني أحبك فقال له ذو النون : إن كنت عرفت اللّه فحسبك اللّه وإن كنت لم تعرفه فاطلب من يعرفه حتى يدلك عليه ، قلت : وذلك من ذي النون غاية في المراقبة حيث كان مراده نقله إلى محبة من محبته لأجله مكافأة له إن كان قد عرف اللّه أو دلالته على من يعرفه اللّه إن لم يكن هو قد عرفه ، وعلى كل حال فقد راقب اللّه كل المراقبة نفعنا اللّه تعالى ببركة أسراره ، ثم أقول ومما يدل على كمال مراقبة ذي النون قوله فيما نقل عنه أنّه قال : نظرت في الأمر فوجدت رأس الدين أن يعرف الإنسان نفسه ، ونظرت فإذا معرفة اللّه تعالى أن يعرف المرء قدره ، ونظرت فإذا لا يصل العبد إلى اللّه تعالى وعليه لغيره بقية ، قلت : وذلك بالغ في المراقبة لأنّ قوله : أن يعرف الإنسان نفسه صحيح ، فإنّ من عرف نفسه عرف ربه أي من عرفها بعجزها وضعفها وأنها متعبدة مأمورة منهية موعودة متوعدة كان ذلك أصلا في قيامها بحق ربها ، وهو رأس الدين ، وسبب يوصل إلى معرفة الرب جل جلاله ، وقوله :
ونظرت فإذا معرفة اللّه أن يعرف المرء قدره يعني بالذل ، والمسكنة ، والفقر الذاتي والنقص الطبيعي وعرف ربه بجلاله وعظمته ، وعزته وغناه الذاتي وكماله الحقيقي ، فإذا استقر هذا كله في نفسه كان عارفا بربه وخالصا ممن ذمهم الحق تعالى بقوله :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[ الزمر : 67 ] ، ونظرت فإذا لا يصل أحد وعليه بقية لغيره يعني لا يتصرف أحد على حسب الأمر والنهي في سائر حركاته وسكناته ، وفي قلبه تعلق بالحظوظ العاجلة ، فإنها حجاب تمنعه من الوصول إلى ربه ، فتأمل واللّه الموفق .