( فإن لم تكن تراه فإنّه يراك إشارة إلى حال المراقبة ) من العبد ( لأنّ المراقبة ) أي ابتداءها ( علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه ) وبعضهم جعل الإشارة إلى ذلك بقوله : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » بقوله : « فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » ، وإنّ في الحديث مراقبتين مراقبة العبد للحق في القول الأول ، وعكسه في القول الثاني ( وهذا ) أي ما ذكر من مراقبة العبد للحق ( أصل كل خير له ولا يكاد يصل إلى هذه المرتبة ) وهي المراقبة ( إلا بعد فراغه من المحاسبة ) لنفسه ، وهي التثبت قبل الفعل ليزنه بميزان الشرع ( فإذا حاسب نفسه على ما سلف له وأصلح حاله في الوقت ولازم طريق الحق ، وأحسن بينه وبين اللّه تعالى مراعاة القلب ، وحفظ مع الله تعالى الأنفاس راقب اللّه سبحانه في عموم أحواله ، فيعلم أنّه سبحانه عليه رقيب ، ومن قلبه قريب يعلم أحواله ، ويرى أفعاله ، ويسمع أقواله : ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة ) به تعالى ، ( فكيف ) لا يكون بمعزل ( عن حقائق القربة ) ؟ منه أي المراقبة له . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجزيري يقول : من لم يحكم ) أي يتقن ( بينه وبين اللّه التقوى والمراقبة ) في أفعاله ( لم يصل إلى الكشف والمشاهدة ) فمن أحكم ذلك فيما ذكر وتكرر عليه قلت غفلاته وارتفعت حالاته ، وهو المراد بالكشف
شرح
فيصرن مستولدات ، فذلك من إمارات قرب الساعة . ( قوله : وبعضهم جعل الإشارة الخ ) أقول : ووجه كل ظاهر . ( قوله : وهذا أي ما ذكر الخ ) مراده رضي اللّه عنه أنّ درجة المراقبة شريفة ، ورأس كل شرف ، فلا تجامع بقاء الحظوظ إذ هي ظلمات ، والمراقبة أنوار ، فعلى العاقل التخلي من رجس ميل النفس ، والتحلي بجمال جميل الأنس . ( قوله : إلا بعد فراغه من المحاسبة الخ ) أي لأجل أن يقوم بما عليه للحق تعالى وللخلق في الماضي والحال ، والتحفظ في الاستقبال عسى بذلك يصل إلى مقام الإفضال . ( قوله : وحفظ مع اللّه تعالى الأنفاس ) أي بأن لا يكون منه نفس إلا فيما يرضاه الحق تعالى . ( قوله : ومن قلبه قريب ) أي بإحاطة علمه تعالى به . ( قوله : فهو بمعزل الخ ) أي لأنّ التحلي لا يكون إلا بعد التخلي .
( قوله : من لم يحكم الخ ) أي ولذا قيل : نظرت عين بصيرة المراقبة لمحة من جمال الحضرة فأشغلتها عن كل ما ينظر بنظره ، وقيل : قعد قلب بمرصاد المراقبة لحضرة الأحباب ، فسمع عجة لذيذ الخطاب ، فأمن خوف المهالك حين سمعه هنالك ، وقيل : زار الخيال في مرآة الأوهام ، فأوجب الهيام فكيف لو تحقق بالوصال في حضرات الشهود والجمال ؟ وقيل :
جرى بريد الفكر فيي ميادين الأنظار وأطلق بازي الصيد ليحصل بعض الأطيار فإذا به آثار غزالة الحي ، فآثرها على كل حي حتى على سلمى وليلى ومي فافهم واللّه أعلم .
( قوله : وارتفعت حالاته ) أي فيترقى للعلوم الغيبية والفيوضات الرحمانية وذلك