فقلت ) له : ( إلى أين ) تذهب ( يا غلام فقال : إلى مكة فقلت : بلا زاد ولا راحلة ولا نفقة ، فقال لي : يا ضعيف اليقين الذي يقدر على حفظ السماوات والأرض لا يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا علاقة ) بفتح العين ، وهي ما يتبلغ به من العيش ، قال ذلك لقوّة يقينه ولطف ربه به ، وإن كانت السنة حمل الزاد في السفر ، ولا يدل على ضعف اليقين مطلقا ، فإنّ الأنبياء والأئمة حملوه في السفر لكنهم لم يعتمدوا عليه ، وإنما اعتمدوا على ربهم ، ( قال ) إبراهيم ( فلما دخلت مكة إذا أنا به في الطواف ، وهو يقول : يا عين سحي ) بالدمع ( أبدا . يا نفس موتي كمدا ولا تحبي أحدا ) . محبة حقيقية ( إلا الجليل الصمدا ، فلما رآني ) الغلام وتفرس مني أني متعجب منه ( قال لي : يا شيخ أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين ) أي الضعف الموجب لسؤاله له عن السفر بلا زاد ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول :
سمعت النهرجوريّ يقول : إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة
شرح
فقال لي : يا ضعيف اليقين الخ ) منه يعلم سر طلب الزاد والراحلة والرفقة في السفر من أنّ الغالب على الخلق ضعف اليقين ، فطلب منهم ما تقدم رحمة بهم وشفقة عليهم ، وذلك كله باعتبار المبتدئين ، أما العارفون من الكاملين ، فهم وإن ظهروا بالأسباب لا يعتمدون إلا على رب الأرباب ، فأخذهم بها لكونهم أئمة لغيرهم ممن يقتدى بهم واللّه أعلم .
( قوله : يا عين سحي أبدا ) أي أبكي أبدا شوقا على وصال الحبيب ، يا نفس موتي كمدا أي حزنا على ذلك ولا تحبي أحدا أي لا تميلي إلى أحد ميلا بغير شاهد العلم إلا الجليل أي العظيم الصمدا أي المقصود لجميع ما سواه ، فأحبيه بدوام عباداته وطاعاته .
( قوله : إذا استكمل العبد حقائق اليقين الخ ) اعلم أنّ هذا المقام إنما يتم لأولياء اللّه تعالى الذين هم أبواب أبوابه ، ومعرفتهم مفاتيح تلك الأبواب ، وأسنان هذه المفاتيح حفظ الحرمة ، وحسم الخدمة ، واتساع الرحمة ، ودوام الحشمة ، وذلك كما قيل :على قدر أهل العزم تأتي العزائمفهنيئا مريئا لمن ذاق أو شاهد بعض من ذاق ، فقد قيل : المطر قريب عهد بربه ، فيستحب البروز فيه والتبرك به وقت نزوله هكذا ذكره الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، وهو مطر من السحاب فما ظنك بالمؤمن العارف بربه ، فهو من الأحرى والأولى النظر إليه حيث هو الصادق باللّه السائر للّه وباللّه ، إذ في ذلك سعادة الدارين عند مصادفة المحل والتوفيق ، فتهيأ أيها الأخ الشفيق .
( قوله : صار البلاء عنده نعمة الخ ) أي بحيث يجد له لذة بسبب شهوده مصدر الأحكام والأفعال واستغراقه في ذلك ، وقوله : والرخاء مصيبة أي خشية الامتحان ، وخوف التقصير في الشكر على ذلك لأنّه كما يمتحن بالفقد يبتلى بالوجود . ( قوله : وقال