حكمته ( ومكاشفة القلوب ) وهي حاصلة ( بحقائق الإيمان ) في القلوب ، وهي مكاشفة بكمال الذات والصفات ، فهذه المراتب الثلاث تشملها المكاشفة كما تقرر فإن اللّه تعالى كاشف عبده بها ، وأطلعه عليها ، ويختلف باختلاف مراتب الخلق ، فمنهم ما يكاشفه اللّه بجميعها ومنهم من يخصه ببعضها ، وإذا حصلت المكاشفة ، وتوالت على القلب حتى قلت الغفلة عنها سميت يقينا .
( واعلم أنّ المكاشفة ) المشهورة ( في كلامهم عبارة عن ظهور الشيء للقلب باستيلاء ذكره ) له وغلبته عليه ( من غير بقاء للريب ) أي الشك والمراد به مطلق التردّد الشامل للظن ( وربما أرادوا بالمكاشفة ما يقرب مما يراه الرائي بين اليقظة والنوم ) بأن يطرأ عليه سنة خفيفة ، فيرى فيها أشخاصا ، ويسمع منهم كلاما ( وكثيرا ما يعبر هؤلاء عن هذه الحالة ) المسماة بالمكاشفة ( بالسبات ) أي الراحة للأبدان لأنّ العبد يزول إحساسه بنفسه وتكون كليته مع ما يراه . ( سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يقول :
سألت أبا عثمان المغربيّ فقلت ) له : ( ما هذا الذي تقول ) وهو قولك : ( قال ) لي :
( الأشخاص كذا وكذا ) ورأيت أشخاصا قالوا لي كذا وكذا ( تراهم معاينة أو مكاشفة فقال ) له : بل ( مكاشفة ) دل ذلك على أنّ إدراك البصر في هذا الوقت يبطل ، ويبقى العبد مشغولا بالحالة التي هو فيها مع ما يراه ( وقال ) عامر ( ابن عبد قيس : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ) تقدّم تقريره ، ( وقيل : اليقين رؤية العيان بقوّة الإيمان ) الذي محله القلب يعني رؤية اليقين بقوّة الإيمان كرؤية العيان بالبصر لأنّ الإيمان إذا توالى
شرح
بكمال الذات ) أي بمظاهر أسمائها وصفاتها . ( قوله : ويختلف باختلاف مراتب الخلق ) أي ويدل لذلك قوله تعالى :وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[ يوسف : 76 ] . ( قوله : سميت يقينا ) أي وهو مختلف أيضا باختلاف درجة صاحب مقامه . ( قوله : الشامل للظنّ ) أي وهو إدراك الطرف الراجح .
( قوله : وربما أرادوا بالمكاشفة الخ ) أي فحينئذ هي نوع خاص من أنواعها ، ولذا ثبت انها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوّة . ( قوله : دل ذلك على أنّ إدراك البصر الخ ) أي لأنّ وظيفة الحواس الحادثة إنما تتحقق باعتبار حال التركيب المقيد ، فإذا خرج الإنسان من ذلك إلى قضاء الشهود المطلق بطلت تلك الحواس بحالة عموم الكشف ، والإدراك بواسطة رجوع الروح إلى عالمها الأصلي في هذه الحالة فافهم .
( قوله : لو كشف الغطاء ) أي الحجاب عن معلوماتي بأن عاينتها ما ازددت يقينا لثبوت اليقين بها من قبل بقوّة الإيمان . ( قوله : يعني رؤية اليقين ) أفاد بذلك أنّ في المقام تجوزا وتشبيها لا حقيقة ، وذلك ظاهر .