يحول ولا يتغير في القلب ) أي هو توالي العلم على القلب بحيث يستقر فيه ، فيصير في قلب العبد باستشعاره نظر الحق إليه ، ومراقبته له كالعلم الضروري . ( وقال ابن عطاء : على قدر قربهم من التقوى أدركوا ما أدركوا من اليقين ) كما يشير إليه خبر :
« ما تقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم » .
( وأصل التقوى مباينة النهي ) أي البعد عن المنهي عنه ( ومباينة النهي مباينة النفس ) أي البعد عنها وعن شهواتها ، والقيام بالمطلوب منها ، وإن ثقل عليها ( فعلى قدر مفارقتهم النفس ) وشهواتها ( وصلوا إلى اليقين ، وقال بعضهم : اليقين هو المكاشفة والمكاشفة على ثلاثة أوجه مكاشفة ) حاصلة ( بالإخبار ) بأن يعلم غيره بمعلومات اللّه تعالى التي أخبر بها اللّه تعالى ورسوله ( ومكاشفة ) حاصلة ( بإظهار القدرة ) أي قدرته تعالى بالدليل ، وهو الاطلاع على عجائب صنع اللّه تعالى وبدافع
شرح
( قوله : على قدر قربهم الخ ) حاصله أنّه نيل الخيرات ، والوصول إلى عالي المقامات في مخالفة النفس ، فشمر الساعد واطلب الجدّ في خلافها . ( قوله : أي البعد عن المنهي عنه ) أقول : ومن المنهي عنه اليأس من غفران الذنب لاستعظامه عند الفاعل ، فحينئذ اللازم في حق الإنسان الرجوع عن ذلك ، وجعل مفتاح الرجوع التوبة ، والإنابة رجاء في اللّه وخوفا منه إذ اليأس من الرحمة كوجود الاغترار باللّه ، فإنّ اللّه تعالى لا يتعاظم ذنبا يغفره ، قال حجة الإسلام الغزالي قدس اللّه سره : وكما اتخذت الذنب والعود إليه حرفة فاتخذ التوبة والعود إليها حرفة ، فما أصر من استغفر ، ولو عاد إلى الذنب في اليوم سبعين مرّة على أنّ الذنب الواقع منك قد يكون آخر ذنب قدر عليك ، وذلك يصرفه عنك ، أو يصرفك عنه بأن تستقيم على التوبة لوجوه صدقك ، أو تعاجلك المنية أو تصرفك المواقع عن فعله فمن العصمة أن لا تجد ، ومن العصمة أن لا تقدر ، وإن لم يكن شيء من ذلك ، فالذنب قد محي عنك بوجود التوبة فبرئت من الإصرار ، وهذا رأس الغنيمة تدبره وعض عليه بالنواجذ . ( قوله : فعلى قدر مفارقتهم النفس الخ ) أي فوصولهم على حسب خروجهم عن مألوفات النفس التي بشاهدها يتحقق الحزن ، وينغلق باب الفتح ، ولذلك قال صاحب الحكم العطائية : إن أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك ، وإن أردت أن ينفتح لك باب الحزن ، فاشهد ما منك إليه وإن أردت أن يفنتح لك كل منهما فاشهد كلا منهما في عين الآخر ، فيستوي رجاؤك وخوفك ، فتكون على كمال في حالك .
( قوله : والمكاشفة على ثلاثة أوجه ) أقول : الأولى والثانية وسيلة إلى الثالثة ، إذ الأولى بشهود علم النقل ، والثانية بشهود علم العقل ، وكل وسيلة إلى علم الفيض والإلهام بذوق خبر : « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » . ( قوله : وهي مكاشفة