ببعضه اللسان . ( وقال سهل بن عبد اللّه : حرام على قلب ) أي ممنوع ( أن يشم رائحة اليقين ) الكامل بما عند اللّه ( وفيه سكون إلى غير اللّه تعالى ) لأن القلب متى امتلأ بشيء لم يسع غيره ، وقد قال اللّه تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] ( وقال ذو النون المصريّ : اليقين ) بزوال الدنيا والإقدام على اللّه تعالى ( داع إلى قصر الأمل ، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد ) في الدنيا لقلة قدرها وسرعة زوالها ( والزهد ) فيها المقتضي للتفرغ لعمل الآخرة ( يورث الحكمة ) التي هي وضع الشيء في محله ( والحكمة تورث النظر في العواقب ) أي عواقب الأعمال مما يخشى منه ما ينقصها أو يبطلها . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول : سمعت سعيد بن عثمان يقول : سمعت ذا النون المصري يقول : ثلاثة من أعلام اليقين قلة مخالطة الناس في العشرة ) أي معاشرتهم ( وترك المدح لهم في العطية ) وإن أمر الآخذ منهم بشكرهم ، والدعاء لهم ، ولا يلزم منهما المدح لأنّهما يحصلان بنحو جزاك اللّه خيرا وأكرمك اللّه وأعاننا على مكافأتك ، والمدح ذكر المحاسن الذي يقرن غالبا بدخول العجب على الممدوح ( والتنزه عن ذمهم عند المنع ) أي منعهم من الإعطاء لأن المانع في الحقيقة غيرهم ، وهو اللّه تعالى ، ولا يليق الذم بغير الفاعل ، وذم الفاعل هنا يخشى منه ذم الفاعل حقيقة ، وبالجملة من تيقن أنّ اللّه هو الرزاق له في سائر أحواله حصلت له الثلاثة ، ( وثلاثة من أعلام يقين اليقين ) وهو أرفع درجات اليقين ( النظر إلى اللّه سبحانه في كل شيء ) بأن يسبق نظر العبد إليه تعالى في كل ما يهمه ( والرجوع إليه ) تعالى ( في كل أمر ) من ضر أو بلاء ليكشفه ( والاستعانة به ) تعالى ( في كل حال ) يرومه ( وقال الجنيد رحمه اللّه : اليقين هو استقرار العلم الذي يتقلب ولا
شرح
فيفيض ما فيه على جارحة اللسان . ( قوله : اليقين بزوال الدنيا الخ ) يريد بيان ثمرة اليقين وإمارة تحققه . ( قوله : ثلاثة من أعلام اليقين ) أي فمن تحقق بها ثبت له مقام اليقين ، وإلا فهو دعوى بغير دليل . ( قوله : قلة مخالطة الناس الخ ) أي فلا تخالطهم إلا لحاجة قوية ، أو ضرورة للبعد عن أخلاقهم رغبة في نيل ما وعد به على لسان سيد الكمل صلى اللّه عليه وسلم بسبب قوة يقينه فيه .
( قوله : وترك المدح لهم ) أي ترك المدح بغير شاهد العلم المشروع ، وإلا فهو مندوب إليه . ( قوله : والتنزه عن ذمهم الخ ) المقصود النهي عن ذمهم بمقتضى حظ النفس لا بمقتضى حق الحق تعالى بشاهد العلم . ( قوله : وثلاثة من أعلام يقين اليقين الخ ) أقول : ذلك من المبالغة في اليقين بإثبات يقين له ، والمراد قوة اليقين . ( قوله : وقال الجنيد الخ ) هو قريب مما قبله إذ المآل واحد .