متى تقول : ) أشكر اللّه ( وأيّ بلاء فوق هذا ) البلاء ( فقال له : ) أي فكتب إليه صاحبه ( لو وضع الزنار ) بضم الزاي ( الذي في وسطه ) وهو علامة الشرك ( في وسطك كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ماذا كنت تصنع ) نبهه بذلك على أنّ ما من بلاء إلا وفوقه ما هو أعظم منه من بلايا الدين والدنيا ، وعلى أنّ ذلك كله بقضاء اللّه وقدره ، وقد سلمك اللّه من بلاء الشرك ، فاشكر اللّه تعالى على ذلك ، وهكذا يداوي الإنسان نفسه ، ويتدرج في معرفة النعم ليعظم شكره ، وينعت بكونه شكورا فيعرف نعم الدنيا والدين ، ثم ينتقل إلى البلايا فيعرف أنها نعمة باعتبار الأجر عليها ، أو اختيار المولى لها بحسب درجة المبتلى ، وقد يستبعد ذلك ، ولا استبعاد عن التأمل ، فإنّ المريض يفرح بالدواء الكريه لما يرجوه به من العافية ، ويرى تيسير حصوله من النعم عليه ، والصانع الذي يتعاطى الأعمال الشاقة كالبناء يفرح بتيسيرها له ، وإن
شرح
حده إذ من لوازم ذلك الإعراض عن الكل ، والإقبال على الحق تعالى بالكل . ( قوله :
فقال له : لو وضع الزنار الخ ) أي فالنعمة العظمى أنّه رزقك الطاعة وألهمك الغنى به عنها ، والقيام بحق العبودية أفضل الطاعات ، فقد قيل : النعمة العظمى الخروج من سجن النفس إلى قضاء شهود المنة ، وقيل : النعمة ما وصلك بالحقائق ، وقطعك عن الخلائق ، وقيل : النعمة ما أسلاك عن دنياك ، وأدناك من مولاك ، وقيل : النعمة ما لا توجب ندما ، ولا تعقب ألما ، والحاصل أنّه ما دام الإنسان على توفيقه ، واستمر على تحقيقه ، فهو منغمر في أعظم النعم ، وإن تقطع جسمه إربا ، ولاقى في كل أوقاته وصبا فافهم .
( قوله : لو وضع الزنار الخ ) المراد الحث على الرضا بما قدره الحق والصبر على ما قضاه وأمضاه ، حيث هو الفاعل المختار ، وهو العالم بالمصالح والقادر على إيصالها للعبيد ، فحق العبودية التخلي عن كل شيء إلا عنه ، والتحلي بما يرضيه عنه والدوام على ذلك حتى يلقاه بلا فترة ولا تقصير ، ويعبر عن ذلك بعبارات طاعة اللّه تعالى والفناء به عنها ، والصدق في العبودية ، والقيام بحقوق الربوبية ، وامتثال أمره ، والاستسلام لقهره ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه لا يسأل الخلق عن ذاته ، ولا عن صفاته ، ولا عن قضائه وقدره ولكن عن أمره ونهيه فاطلب ربك من حيث يطلبك » فافهم . ( قوله : لو وضع الزنار الخ ) أي بمقتضى قابلية الطبع من النقص الذاتي إذ الكمال عرض من تجلي نعت الجمال .
( قوله : وعلى أنّ ذلك كله بقضاء اللّه وقدره ) أي الكائن بالحكمة على طريق الابتلاء والامتحان ليكرم العبد إن صبر أو يهان عند البهتان قال تعالى :ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ[ العنكبوت : 1 ، 2 ] . ( قوله : وقيل دخل رجل الخ ) هو قريب مما قبله وقوله : لو دخل اللص قلبك الخ أي من جهة أنّك عرضة لطوارق القضاء والقدر .