المنع ، ويقال : الشاكر الذي يشكر على العطاء ، والشكور الذي يشكر على البلاء ، ويقال : الشاكر الذي يشكر عند البذل ، والشكور الذي يشكر عند المطل ) وكلها متقاربة وسمي الأول في كل منها شاكرا لكونه لا يعرف نعمة سوى العطاء والثاني شكورا لأنّه رأى زيادة على ذلك حيث رأى البلاء والمنع والمطل نعما لكونها مختارة للّه العالم بمصالحه . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكيّ يقول : سمعت المرتعش يقول : سمعت الجنيد يقول :
كنت بين يدي السري ) السقطي ( ألعب وأنا ابن سبع سنين ، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي : يا غلام ما الشكر فقلت : أن لا تعصي اللّه بنعمه ) هذا ببركة دعاء السريّ له أن يسدده اللّه ( فقال : يوشك أن يكون حظك من اللّه لسانك قال الجنيد رحمه اللّه : فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السريّ ) خوفا من أن لا يكون لي من اللّه إلا تسديد لساني . ( وقال الشبلي : الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة ) بأن يكون السابق منهما إلى القلب رؤية المنعم كما قال بعضهم : ما رأيت شيئا حتى رأيت اللّه قبله أي الغالب على قلبه رؤية اللّه ومراقبته فأي شيء حدث فيه يكون مذكرا له رؤية اللّه ، فإنّه ذاكر له غير غافل عنه ، وهذا أكمل من قول بعضهم :
ما رأيت شيئا حتى رأيت اللّه معه لأنّ مفاده أنّ رؤية النعم مذكرة للمنعم معها فيذكر
شرح
بالإشراف على ما يترتب على ذلك من الفضل ونيل الدرجات ، والثاني وهو الأكمل يكون بشهود المبلي في البلاء ، والمعذب في العذاب . ( قوله : فقال : يوشك أن يكون الخ ) أقول : لعله يقصد هضم نفس الجنيد خوفا من وقوفه مع حلاوة النطق ، ونشر الحكم ، فهو حمل له على التعلق بأوصاف الحق ظاهرا وباطنا ، والتحقق بنعوته قولا وفعلا لأنّ الجزاء من جنس العمل ، ولذا قيل لبعض المختصين : بم أدركت ما أدركت قال : وحدته بأفضل التوحيد ، وخدمته خدمة العبيد وأطعته فيما أمرني ونهاني ، فكلما سألته أعطاني ، وفي الإشارة عن اللّه تعالى عبدي أنا الذي أقول للشيء كن فيكون ، فأطعني أجعلك تقول للشيء : كن فيكون . ( قوله : رؤية المنعم ) أي وذلك أعلى المقام في الشكر لأنّ من هذا نعته برضا محبوبه يطيب وقته ، وبغير هذا يتناهى مقته ، فلو علم رضاه ولو بكونه في الجحيم كان ذلك عنده هو النعيم المقيم ، والنعيم مع السخط هو العذاب الأليم .عذابي فيك يحلو لي * ومر الصبر أحلى لي( قوله : فأي شيء حدث فيه الخ ) محصله أنّ الواردات إذا وردت على القلب تكون مذكرة له رؤية اللّه على وجه جزئي ، وذلك لا ينافي أنّه ذاكر له على وجه كلي غير غافل عنه ، فقال يقال : إنّ في كلامه تدافعا . ( قوله : وهذا أكمل من قول بعضهم الخ ) أي لأنّ فيه الغناء عن النفس وما لها من الحظ في ذات الحق سبحانه وتعالى .