مرّ من أقسام الشكر ، فإنّ العبد إذا اعترف بالنعمة للمنعم ، وأثنى عليه بها كان شاكرا ، وإن لم يلتذ بها حينئذ فتلذذ ، بالثناء زيادة على محبته ، وفي محبة العظيم للمثني عليه ، وهذا شكر المحبين العارفين . ( سمعت السلمي يقول : سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت الحسن بن يحيى يقول : سمعت الجنيد يقول : كان السري إذا أراد أن ينفعني ) بشيء ( يسألني ) عنه حتى يبينه لي على عادة المشايخ في افتقادهم حال المريدين هل انتفعوا به ؟ وهل عزمهم قوي في الاقتداء به ( فقال لي يوما أبا القاسم إيش الشكر فقلت له : أن لا يستعان بشيء من نعم اللّه تعالى على معاصيه فقال : من أين لك هذا ؟ فقلت : من مجالستك ) فسررت بذلك ، ويؤخذ مما ذكر أنّ الشيخ إذا علم حال المريد وأنه شديد الرغبة في نيل الفوائد منه ، والاقتداء به يسأله عما ينفعه ، ويخصه بفوائده المختصة به ، والنافعة له ، ( وقيل : التزم الحسن بن علي الركن فقال : إلهي نعمتني فلم تجدني شاكرا وابتليتني فلم تجدني صابرا ) ضمن ذلك كمال الثناء على اللّه حيث اعترف فيه بالنعمة وبالتقصير عن الشكر ، وبأنّه غير صابر على البلاء وبأنّ اللّه هو الفاعل للخير والشر ، ثم اعترف بفضل اللّه عليه في حالة نقصه فقال : ( فلا أنت سلبت النعمة بتركي الصبر إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم ) والكرم لا يكون إلا من الكريم ، ( وقيل : إذا قصرت يدك عن المكافأة ) للناس بأن عجزت عنها ( فليطل لسانك بالشكر ) لأنّه الممكن ، والشكر الكامل عند الإمكان يكون بالقلب واللسان والأفعال ، ( وقيل : أربعة لا ثمرة
شرح
الخ ) أي لأنّ العبد من حيث هو محل لكل عيب ونقص أصلا وفصلا سواء كان طائعا أو عاصيا معافى أو مبتلى ، وللّه در القائل : ما هناك إلا فضله ، ولا نعيش إلا في ستره ، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم ، قال اللّه تعالى :وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً[ النور : 21 ] فما وصل إلى العبد هو من محض فضل الحق سبحانه وتعالى إذ الأمر منه وإليه ، ولولا ذلك ما استحق العبد شيئا .
( قوله : فقال : من أين لك هذا الخ ) أقول : ولهذا أعاد القصة وإلا فهي قد تقدمت .
( قوله : فسررت بذلك ) أي لأنّه قد شهد مرجع الأمر ، فالحمد في الحقيقة لمن ستر وليس هو لمن شكر ، فحقيقته الشكر لمن له حقيقة الفضل . ( قوله : فقال : إلهي الخ ) فيه اعتراف بما جبل عليه الإنسان من كثرة الغفلة عن الإحسان فللّه دره . ( قوله : ما يكون من الكريم إلا الكرم ) فيه الثناء على اللّه تعالى بوصفه الحق ، والحق أحق ، فللّه دره .
( قوله : والكرم لا يكون إلا من الكريم ) أفاد الشارح بهذه الزيادة أنّ الكرم مختص به تعالى لأنّه الكريم على الحقيقة ، فحينئذ لا ينبغي أن يقصد غيره ، ولا يرجى سواه . ( قوله :
والشكر الكامل الخ ) أي ولهذا قيل :