بالنعمة ، وإضافتها للمنعم ، ( وقال الجنيد رحمه اللّه : الشكر ) أي من غالب الناس ( فيه علة لأنّه ) أي الشاكر ( طالب لنفسه المزيد ) المذكور في قوله تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] ( فهو واقف مع اللّه سبحانه على حظ نفسه ) من طلب الزيادة ، ( وقال أبو عثمان : الشكر معرفة العجز عن الشكر ) لأنّ من رأى شكره نعمة عليه أمره بالشكر عليها ، وشكره الثاني نعمة ، فيؤمر بالشكر عليها ، وهكذا فيتسلسل أو يقطعه عن الشكر الموت ، فيعجز عنه بكل حال ، وهذا نحو قول الصديق رضي اللّه عنه : « العجز عن درك الإدراك إدراك » . ( ويقال : الشكر على الشكر أتم من الشكر ) المطلق لتكرره بلا نهاية ( وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه تعالى ، ويكون ذلك التوفيق من أجل ) أي أعظم ( النعم عليك فتشكره على الشكر ثم تشكره على شكر الشكر إلى ما لا يتناهى ) ولا قدرة لك عليه ، ( وقيل : الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة ) والخضوع له هذا يرجع إلى أنّه الاعتراف بنعمة النعم مع التذلل ، وتقدم أنّه ليس بشكر ، ( وقال الجنيد : الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة ) لأنّ من
شرح
( قوله : فيه علة الخ ) أي والكمال في إيقاع الشكر لوجه الذات العلية من غير إشراف النفس على شيء في مقابلة ذلك الشكر . ( قوله : وهذا نحو قول الصديق الخ ) أي ونقل عنه أيضا قوله : سبحان من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا العجز عن معرفته وحينئذ لا يتأتى للعبد إيقاع عبادته على الوجه الذي يليق به تعالى . ( قوله : العجز عن درك الخ ) أي فدليل صحة علم الإنسان مع الجدّ في العمل اعترافه بالعجز عن إدراك كنه الذات العلية ، فيكون علمها عنده بمظاهر الأسماء والصفات لا غير واللّه أعلم .
( قوله : ويقال : الشكر على الشكر أتم الخ ) أقول : ويؤيده أنّ الحمد المقيد أفضل من الحمد المطلق لأنّه يثاب على الأوّل ثواب الواجب بخلاف الثاني ، فإنّه يثاب عليه ثواب المندوب ، ولهذا المعنى أشار صاحب الحكم حيث قال : كن بأوصاف ربوبيته متعلقا ، وبأوصاف عبوديتك متحققا ، وأوصاف الربوبية أربعة : الغنى والعز ، والقدرة ، والقوة ، والتعلق بها الاعتماد عليها ، وأوصاف العبودية أربعة الفقر ، والذلة والعجز ، والضعف ، والتحقق بها أن تراها ملازمة لك ، ويختلف الحال باختلاف التعلق والتحقق ، فالأوّل موقف الأدب والتعظيم ، والثاني موطن البسط والتكريم هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أطعم ألفا من صاع ، وشدّ على بطنه حجرا من الجوع . ( قوله : أتم من الشكر المطلق الخ ) أقول : لعل وجهه ما يؤدّي إليه من العجز المحقق لحقيقة العبودية التي هي من أفضل رداآت الإنسان ، وأكمل حلية يتجلى بها . ( قوله : هذا يرجع الخ ) أي والكمال في شهود المنعم قبل النعم ، وذلك من شيم الخواص واللّه أعلم .
( قوله : أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة الخ ) أي فيلزم أن تدوم على حفظ الحرمة ،