تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
في
خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : 164 ] الآية ، وحقيقة الشكر عند أهل التحقيق
شرح
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ البقرة : 164 ] الآية ، قال أبو السعود : المفسر جملة مستأنفة سيقت لتقرير ما سبق من اختصاصه تعالى بالسلطان القاهر ، والقدرة التامة مصدرة بكلمة التأكيد اعتناء بتحقيق مضمونها أي في إنشاء السماوات على ما هي عليه في ذواتها وصفاتها من الأمور التي يحار في فهم أجلاها العقول والأرض على ما هي عليه ذاتا وصفة ، واختلاف الليل والنهار أي في تعاقبهما في وجه الأرض ، وكون كل منهما خلقة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين لحركات السماوات ، وسكون الأرض أي في تفاوتهما بازياد كل منهما بانتقاص الآخر ، وانتقاصه بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة ، وباختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة ، فإنّ البلاد القريبة من القطب الشماليّ أيامها الصيفية أطول ، ولياليها الصيفية أقصر من الأيام البعيدة منه ، ولياليها ، وذلك باعتبار الطول والقصر ، وباعتبار نفسها ، فإنّ كرية الأرض تقتضي أن تكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلا ، وفي مقابله نهارا ، وفي بعضها صباحا ، وفي بعضها ظهرا ، أو عصرا ، أو غير ذلك ، والليل قيل : إنّه اسم جنس يفرق بين واحده وجمعه بالتاء كتمر وتمرة ، والليالي جمع ليلة وهو جمع غريب كأنهم توهموا أنها ليلة والنهار اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس قاله الراغب : تقديم الليل على النهار إما لأنّه الأصل فإن غرر الشهور تظهر في الليالي ، وأما لتقدمه في الخلقة حسبما ينبئ عنه قوله تعالى :وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ[ يس : 37 ] أي نزيله عنه فيخلفه لآيات اسم إنّ دخلته اللام لتأخره عن خبرها ، والتنكير للتفخيم كما وكيفا أي لآيات كثيرة عظيمة لا يقادر قدرها إدالة على تعاجيب شؤونه التي من جملتها الاختصاص بالملك العظيم ، والقدرة التامة لأولي الألباب لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب الحس والوهم المتجردين عن العلائق النفسانية المتخلصين عن العوائق الظلمانية المتأملين في أحوال الحقائق ، وأحكام النعوت المراقبين في أطوار الملك ، وأسرار الملكوت المتفكرين في بدائع صنائع الملك الخلاق المتدبرين في روائع حكمه المودعة في الأنفس والآفاق الناظرين إلى العالم بعين الاعتبار والشهود المتفحصين عن حقيقة سر الحق في كل موجود مثابرين على مراقبته وذكراه غير ملتفتين إلى شيء سواه إلا من حيث أنّه مرآة لمشاهدة جماله ، وآلة لملاحظة صفات كماله ، فإنّ كل ما ظهر من مظاهر الإبداع وحضر من محاضر التكوين والاختراع سبيل إلى عالم التوحيد ، ودليل قوي على الصانع المجيد ناطق بآيات قدرته ، فهل من سامع واع ، ومخبر بأنباء علمه وحكمته ؟ فهل من داع يكلم الناس على قدر عقولهم ويرد جوابهم بحسب مقولهم ؟ يجاوز تارة بأحسن عبارة ويلوح أخرى بألطف إشارة مراعيا في الجواب إيهامهم وتقريعهم ، وإن من شيء إلا يسبح