( كان القسم الآخر ) موجودا ( لا محالة فمن فني عن أوصافه المذمومة ) كرغبته في
شرح
الشيخ عبد اللّه الأنصاري الفناء في هذا الباب اضمحلال ما دون الحق علما ، ثم جحدا ، ثم حقا أي لا يكون له علم بغير اللّه لتحققه بعلم اللّه ، ثم يرتقي حتى يصير الغير في حقه كالمعدوم ، ثم يغيب عنه وجودا بالحق وذوقا ، فالأوّل فناء العلماء باللّه ، والثاني فناء السالكين وأرباب الأحوال ، والثالث فناء العارفين المستغرقين في اللّه المحبين له ، فالفناء على ثلاث درجات فناء المعرفة في المعروف ، وفناء العيان في المعاين وفناء الطلب في الوجود ( أقول ) ومن الإشارة إلى الفناء ما روي أن عبد اللّه بن عمر سلم عليه إنسان ، وهو في الطواف ، فلم يرد عليه فشكاه إلى بعض أصحابه ، فقال له : كنا نتراءى اللّه في ذلك المكان ، وقال الفناء الغيبة عن الأشياء كما كان لموسى عليه السلام حين تجلى ربه للجبل ، فتلخص أن الفناء والبقاء يدوران على إخلاص الوحدانية ، وصحة الربوبية وذل العبودية ، وما كان غير هذا فهو المغاليط الزندقية ، وفي عبارة بعضهم الفناء على ثلاث درجات فناء الظاهر ، وهو مسلوبية العبد عن إرادته واختياره بتجلي الحق عليه بصفة الفعالية ، ويسمى فناء الأفعال ، وفناء الباطن وهو مغلوبية صفاته في سلطنة أنوار الصفات القديمة الأزلية ، ويسمى فناء الصفات ، وفناء سر الباطن الذي هو ذات العبد ، فإن الأفعال هي حجاب الصفات ، فالصفات باطنها والصفات هي حجاب الذات ، فالذات باطنها وسرها ، ولذا يسمى فناء الذات ، وهو كناية عن مغلوبية ذات العبد في إشراق أنوار عظمة الذات ، وأحديتها ، فهناك يستولي على باطنه أمر الحق ، فلا يبقى له هاجس ، ولا وسواس هذا ، والتحقيق الذي لا يصح العدول عنه بحال أن تقول التفرقة بلا جمع زندقة كما وقع للدهرية والجمع بلا تفرقة إلحاد لأنه يؤدّي إلى أن يقول صاحبه باتحاد وجود الكون والمكوّن كما ترشح في إناء بعضهم لضيقه فقال أنا اللّه ، وليس في جبتي سوى اللّه وسبحاني ما أعظم شأني فحينئذ لا بدّ لصحة العبودية من التنزل عن عالم الجمع إلى عالم التفرقة ، ويقال لهذا البقاء ، وفرق بين التفرقة الأولى قبل الجمع والثانية التي بعده كما لا يخفى على من له المام .
( قوله : فقال الخ ) محصله أن الفناء والبقاء باعتبار ما للعبد من الأخلاق والأوصاف الذميمة والحميدة ، فإذا تجرد عن الذميمة وتحلى بالحميدة ترقى إلى الأحوال والمقامات بهذا الاعتبار ، وسيأتي أن الفناء كما يكون باعتبار الأوصاف قد يكون عن الأشخاص وعن العلوم وقد أشار سيد عشاق زمانه ويتيمة عقد أهل عرفانه إلى نوع من الفناء حيث قال :ومنذ عفار سمى وهمت وهمت في * وجودي فلم تظفر بكوني فكرتي
وبعد فحالي فيك قامت بنفسها * وبنيتي في سبق روحي بنيتي
ولم أحك في حبيك حالي تبرما * بها لاضطرار ، بل لتنفيس كربتي
ويحسن إظهار التجلد للعدا * ويقبح غير العجز عند الأحبة