تزكية أعماله ببذل وسعه ) واجتهاده في تزكيتها وإخلاصها ( منّ اللّه عليه بتصفية أحواله بل بتوفية أحواله ) المحمودة فوجه الشبه بين الأخلاق والأحوال ما مر من تمكن العبد من تغييرهما الأخلاق بالرياضة ، والأحوال بإخلاص الأعمال وتصفيتها والدوام عليها ، ( فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال إنه فني عن شهواته ، فإذا فني عن شهواته بقي بنيته وإخلاصه عبوديته ، ومن زهد في دنياه بقلبه يقال فني عن رغبته ) فيها ( فإذا فني عن رغبته ) فيها ( بقي بصدق إنابته ، ومن عالج أخلاقه فنفي عن قلبه الحسد والحقد والبخل والشح والغضب والكبر وأمثال هذا من رعونات النفس يقال فني عن سوء الخلق ، فإذا فني عن سوء الخلق بقي بالفتوة ، والصدق ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأحكام ) من السعادة والضلالة والطاعة ، والعصيان ( يقال فني عن حسبان الحدثان ) أي : عد الحدوث ( من الخلق فإذا فني عن توهم ) كون ( الآثار من الأغيار ) أي : الأكساب من العبد لما غلب على قلبه من انفراد الحق بإيجادها ( بقي بصفات الحق ) تعالى نظرا إلى قدرته تعالى وإرادته وعلمه ، ( ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ولا رسما ولا طللا ) وهو ما شخص
شرح
( قوله : بل بتوفية أحواله ) أي باستيفائها وبلوغه إياها كاملة مستوفاة . ( قوله : فمن ترك الخ ) شروع في بيان تدريج السائر في الأحوال والمقامات بتقديم الأهم فالأهم على ما هو اللائق بمن أراد الوصول ، ونيل المأمول . ( قوله : يقال أنه فني عن شهواته ) أي وذلك لا يكون إلا بالقيام على النفس بمظاهر الأمر والنهي الشر عيين . ( قوله : بقي بنيته ) أي فثمرة المتابعة اكتساب اخلاص القصد بالعبادة له تعالى . ( قوله : بقي بصدق انابته ) أي بسبب الجد في إزالة الحجاب الذي سببه الرغبة في الدنيا . ( قوله : ومن عالج أخلاقه ) أي بتحسينها وحملها على معالي الأمور والبعد عن الدنيء منها بشاهد علم الشرع . ( قوله :
بقي بالفتوة والصدق ) أي بقوّة البذل الذي معظم سببه التجرد عن الحظوظ وطهارة الباطن من داآته التي هي سبب في الصدق . ( قوله : ومن شاهد جريان القدرة الخ ) أي من علم تأثيرها في جميع الممكنات انفرادا بشاهد : « ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن » يقال فيه أنه فني عن حسبان الحدثان أي بانقطاع التفاته إليهم في شيء من الأشياء إذ هم من جملة الممكنات التي هي في قبضة القدرة العلية . ( قوله : بقي بصفات الحق ) أي بسبب تجرده عن صفات الطبع . ( قوله : ومن استولى عليه سلطان الحقيقة الخ ) اعلم أن الحقيقة إذا غلبت على عبد من عباد اللّه وجب عليه الانصات لها على حسب ما وردت بالإجمال ولا يتلقاها بالمعتاد من التأويل ، والدليل والنظر في الوجه والتفصيل ، ثم بعد ذلك يكون على اللّه بيانها لأنه الذي قد تفضل عليه بها أوّلا ، فهو الذي بينها ثانيا قال تعالى :فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ[ القيامة : 18 ، 19 ] وإنما كان هذا كتلقي الوحي في آدابه لأن