العبد ( وأشاروا بالبقاء إلى قيام الأوصاف المحمودة به ، وإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القسمين فمن المعلوم ) لكل عاقل ( أنه إذا لم يكن أحد القسمين ) موجودا
شرح
الصفات ، ويجتمع همه بعد الشتات ، وهي رتبة ثامنة ، ثم يغفل عن نفسه لكمال شغله بربه ، وهي رتبة تاسعة ، ثم يبلغ إلى النهايات ، وهي الرتبة العاشرة ، فمن أجل ذلك يكون الفناء عن العادات ، والمألوفات بامتثال المأمورات ، وفي الأبواب عن الهيئات الطبيعية النفسانية بالهيآت النورانية القلبية في المعاملات كالفناء عن الأفعال البشرية بالأفعال الإلهية ، وفي الأخلاق بالفناء عن الملكات النفسانية بالأخلاق الإلهية ، وفي الأصول بالفناء عن إرادة الأغيار وطلبها بإرادة الحق وطلبه ، وفي الأودية بالفناء عن العلوم الرسمية ، والحكم العقلية بالعلوم اللدنية والحكم الإلهية ، وفي الأحوال بالفناء عن التعلق بالأكوان ومحبتها بمحبة الحق ذي الامتنان ، وفي الولاية بالفناء عن الصفات ، والتوجه إلى الذات ، وفي الحقائق بالفناء عن الرسول مع بقاء البقية الخفية ، وعدم الشعور بالأثنينية النورية الموجبة للتعدد وهو مقام الخلة . قال الشيخ أبو محمد رزبهان البقلي في كتاب لوامع التوحيد يكون الفناء من رؤية العز السرمدي ، والكبرياء الأبدي واستغراق السر في بحر أنوار الهوية وسبحات الصفات الصمدية ، وذلك من كثرة مطالعة الروح وجود الحق سبحانه وتعالى ، ثم بعد هذا فأقول لك قد اختلفت عبارات المشايخ في معنى الفناء وذلك على حسب ما وجد كل منهم من شربه ، وحظه على طريق حكمة ربه ، ثم اعلم أنه لا يلزم من الفناء بأنواعه أن يغيب العبد عن إحساسه ، بل قد يتفق ذلك في بعض الأشخاص في بعض الأحايين فليس من ضرورة الفناء على اختلاف معانيه ، بل قد يتسع وعاء العبد مع تحققه بالفناء روحا وقلبا ، فلا يغيب عن كل شيء يجري من قول أو فعل فيكون مرجعه أن يكون في كل فعل وقول مرجعه إلى اللّه تعالى ، وينتظر الإذن في كليات أموره ليكون فيها باللّه تعالى لا بنفسه إذ التفرقة بدون جمع زندقة ، وأما معنى البقاء المعدود من اصطلاحات أهل التصوّف ، فقال الشيخ العارف عبد اللّه الأنصاري في المنازل البقاء اسم لما بقي بعد فناء الشواهد يعني الأدلة والآثار ، فهو على ثلاثة أقسام بقاء المعلوم بعد سقوط العلم فمعناه أن يكون عينا لا علما ، والثاني بقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا ، والثالث بقاء ما لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا يعني بقاء المعلوم عينا لأن بقاء المعلوم علما لا عينا بقاء للعلم ، فإذا تجلى المعلوم له أخذه عن مطالعة علمه بالمعلوم ، ويعني بسقوط الشهود كونه شاهدا وببقاء الشهود كونه وجودا لا نعتا فمعناه أن الباقي لا يصح له البقاء ما لم يشاهد العبد المشهود وجوده شهودا عيانيا حاليا وصفيا ، فإن النعت وصف صاحب الوجد والوجود عين الموجود وبقاء ما لم يزل حقا معناه أنه عند ظهور سلطان الحقيقة ينمحي عنه ذكر كل شيء مما لم يكن ، ثم كان ويبقى في شهوده الحق الغالب على كل شيء مشغولا به عن غيره حتى عن نفسه ، فالشهود فوق العلم ، والوجود فوق الشهود لأنه بالموجود يفنى الشاهد وشهوده ، وقيل في معنى البقاء غير ما ذكرناه وفيما ذكرناه كفاية . وقال