التفرقة الثانية لم يخرج من جمع الجمع إليها ، بل يرده إلى الجمع بخلاف الأولى ، فإن رجوعه فيها إلى نفسه ، وإدراكه عمله خروج عن الجمع بالكلية . ثم ذكر نوعا آخر من التفرقة والجمع ، وهو بالنظر إلى ما سبق للخلق في الإرادة الأزلية فقال ( وأشار بعضهم بلفظ الفرق والجمع إلى تصريف الحق جميع الخلق فجمع الكل ) من الخلق ( في التقليب والتصريف من حيث إنه منشىء ذواتهم ومجري صفاتهم ) فصاروا مجموعين لدخولهم فيما سبق لهم عنده ( ثم فرّقهم في التنويع ففريقا أسعدهم وفريقا أبعدهم وأشقاهم وفريقا هداهم وفريقا أضلهم وأعماهم ، وفريقا حجبهم عنه وفريقا
شرح
( قوله : وأشار بعضهم بلفظ الخ ) محصله أن الجمع باعتبار رتبة المتمسكين بقدرة رب العالمين ، والتفريق بما قدّر لهم بحكمة أحكم الحاكمين ، وإيضاحه أن الجمع على هذا الوجه معناه أنه جمع جميع الخلق في تصريف الإبداع ، والاختراع لذواتهم ، وفرّق بتصريف الحكمة الباهرة في مجاري صفاتهم ، فصاروا مجموعين مفرّقين بهذا المعنى .
( قوله : ففريقا أسعدهم الخ ) تأمّل مع أن الكل عبيد ومحل مظاهر التسديد غير أن الحق بما له من الجلال لا يسأل عن سر الأفعال ، فاللّه يرزقنا السلامة بالتسليم حتى نصل إلى النعيم المقيم هذا ، واعلم أن هذا التفريق بمقتضى مظاهر الأسماء والصفات لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
( قوله : وفريقا هداهم ) أي دلهم دلالة موصلة ، وقوله وفريقا أضلهم أي حيث لم يقدّر دلالتهم وإرشادهم فأعماهم بجهالاتهم ، وقوله : وفريقا حجبهم أي حيث أوقفهم مع الآثار والصور مع غفلتهم عن المؤثر والمصوّر ، وقوله : وفريقا جذبهم أي حيث استولى على قلوبهم ، فغلب ذكره عليها فلم يشاهدوا غيرا ، وقوله : وفريقا آنسهم بوصلته أي حيث جعل قلوبهم مطمئنة ساكنة مؤمنة راضية مرضية ، وقوله : وفريقا آيسهم من رحمته أي حيث أوقع القنوط من رحمته تعالى في قلوبهم بكفرهم وطغيانهم ، وقوله : وفريقا أكرمهم بتوفيقه أي حيث قدّر سعادتهم أزلا على حسب باهر حكمته العلية وعلمه القديم ، وقوله : وفريقا اصطلمهم أي حيث جعل في قلوبهم محبته ومحبة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله : أي غيبهم أي جعلهم غائبين عن الخلق غير ملتفتين إليهم بسبب ما شاهدوا من انفراده تعالى في الملك فهم قوم قد أعرضوا عن الكل بالواحد الأحد فوجههم إلى أنوار الحقيقة وغيبهم في لجج الطريقة نفعنا اللّه ببركاتهم وقوله : عند رومهم أي طلبهم ، وقوله : وفريقا أصحاهم الصحو حالة تقتضي التصرف بالاختيار والسكر بخلافه ، والحضور شهود الخلق بالحق ، والفرق شهود الحق والخلق والفناء شهود الحق بلا خلق ، والغيبة عدم الشعور بالخلق فمن لم يقدر على ضبط حركاته فالسكران ومن تصرف على حسب حاله باختياره ، فهو الصاحي ، ومن توله بسبب شدّة هيمانه فهو المحب المحبوب ، ومن شهد تصرف