الحقيقة ) فالحاصل أن من كانت أفعاله للّه تعالى وشاهدها طاعة له تعالى فهو في التفرقة ، ومن شاهدها جارية عليه فضلا من اللّه فقد شاهدها باللّه فهو في الجمع ، ومن غفل عنها وعن نفسه شغلا باللّه فهو في جمع الجمع ، ( وبعد هذا ) أي جمع الجمع ( حالة عزيرة ) شريفة ( يسميها القوم الفرق الثاني ) أي : التفرقة الثانية بالنسبة للتفرقة الأولى ( وهو أن يردّ العبد ) بعد استغراقه ( إلى الصحو عند أوقات أداء الفرائض ليجري عليه القيام بالفرائض في أوقاتها فيكون رجوع للّه ) أي : لطاعته ( باللّه تعالى لا للعبد ) أي : لأفعاله ( بالعبد فالعبد يطالع نفسه في هذه الحالة في تصريف الحق سبحانه يشهد مبدىء ذاته وعينه بقدرته و ) يشهد ( مجرى أفعاله وأحواله عليه بعلمه ومشيئته ) بضم ميم مبدىء ومجري والحاصل أن التفرقة الأولى ، وقوف مع أحواله وأعماله وإيقاعه طاعة لربه ، والثانية أن يردّ إلى نفسه بعد إستغراقه ليوقع فرض ربه عليه في وقته ، ثم يرجع إلى ما كان فيه من حالة ، وإنما كانت هذه عزيزة شريفة لكمال حفظ اللّه لمن أوصله إليه ، وحفظ وقته عليه ولو دام استغراقه لم يكن آثما لعذره لكن رجوعه إلى القيام بوظائفه زيادة فضيلة له عند ربه ، وبالجملة فرق بين أن يدرك طاعته بنفسه ، وهو مدرك لها ، وأن يدرك نفسه في طاعته مصرفا فيها ، فهو في
شرح
فأرباب الحقائق تجري عليهم بحكم التصريف لا علم لهم بها على التفصيل ، وعند فراغهم من النطق بها يظهر لقلوبهم برهان ما قالوا بشواهد العلم ، واللّه أعلم . ( قوله :
وبعد هذا حالة عزيزة ) أي وعزتها لشرفها وندرتها فيكون من تحلى بنعتها في مقام إرشاد عباد اللّه المؤمنين . ( قوله : يسميها القوم الفرق الثاني ) أي وهو الإعادة إلى الإحساس بعد المحو بغلبات الحقيقة ، ويكون الصحو حينئذ بشعائر الشريعة .
( قوله : وهو إن يردّ العبد الخ ) محصله أنه شهود الخلق قائما بالحق . ( قوله : فيكون رجوعا الخ ) إن قلت إن غيره من أفراد الرجوع كذلك قلت نعم غير أن الفرق الشهود والذوق في هذا وعدمه في غيره فافهم . ( قوله : فيكون رجوعا الخ ) اعلم أن هذا الفرق الثاني هو الخلق المحمدي الخاص دوامه به واللّه أعلم . ( قوله : وبالجملة فرق بين أن يدرك الخ ) أي حيث هو باق لم يفن عن أفعاله بخلاف الثاني لفنائه عن أفعال نفسه في أفعال الحق تعالى ، وقوله : لم يخرج من جمع الجمع أي الذي هو فناء الأفعال في الأفعال والصفات في الصفات والذوات في الذوات ، وقوله : لم يخرج من جمع الجمع إليها أي الحالة الأولى للتفرقة ، بل مرده إلى الجمع أي لأنه متحقق بالفناء عن الأفعال لنفسه في أفعال الرب سبحانه وتعالى ، وذلك من وجوه الجمع ، فتدبر ومحصله أن الحالة الأولى لم يفن صاحبها فيها عن صفاته ، والثانية قد فني فيها عن صفات نفسه في صفاته تعالى ، وتقدّم أن ذلك من وجوه الجمع الثلاثة فتدبر .