( إلا بعد خمود البشرية ) أي : غيبته عن احساسه بها ( لأنه لا يكون للبشرية بقاء عند ظهور سلطان الحقيقة ) لأن العبد ما دام مدركا لنفسه ممتعا بوجده ، فبشريته حاصلة وإذا اشتغل بالحق كمال الشغل حتى نسي كونه مشتغلا به صار الغالب عليه إدراك الحق خاصة ، وعبروا عن هذه الحالة بالوجود ( وهذا معنى قول أبي الحسين النوري أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد أي إذا وجدت ربي ، فقدت قلبي وإذا وجدت قلبي فقدت ربي ) أي : فأنا مستغرق في وجود الحق ، فلا يصح وجوده عند العبد ، إلا بعد غفلته عن قلبه ، ( وهذا معنى قول الجنيد علم التوحيد ) أي تحصيله تصورا وتصديقا ( مباين لوجوده ) أي : التوحيد ( ووجوده مباين لعلمه ) يعني أن العبد يكون عالما بالتوحيد بالاستدلال بالآثار ، ولا يكون واجدا له لأن وجوده لا يبقى للعبد معه
شرح
محصله أنه لا يتم لعبد إلا بعد فنائه عن سائر الحظوظ الحقة بالاستهلاك عن الإحساس لشيء سوى الحق تعالى ، فيفنى عن نفسه ووردها وواردها ، وكل كائن ، فحينئذ يتحقق له الوجود الواجب فافهم . ( قوله : إلا بعد خمود البشرية ) أي لما يجد من لذة الأذواق الشهودية ، والشهادات الذاتية التي لا لذة فوق لذة منازلاتها لأن لذة الأجساد من مأكل ومشرب ومنكح وغير ذلك تضحمل بالنسبة إليها إذ جميع عوالم الجبروت كالعقول والنفوس المجرّدة ، وعوالم الملكوت كالنفوس المنطبعة وقواها ، وعوالم الملك والشهادة كالسماوات والأرض ، ومن فيهما ممدّة من ذات غيب الغيب المطلق ذي الجلال والجمال المحقق ، فكيف لا يتلاشى فيه الفاني إذا تحقق العبد بالقريب الداني ، فافهم . ( قوله : هذا معنى الخ ) الإشارة إلى جميع ما تقدّم من تطورات العبد وتقلبات أحواله المعلوم ذلك من المقام وإلا فحالة الوجود هي حالة استغراق العبد في الملك الحق . ( قوله : إذا وجدت ربي فقدت قلبي ) أي فهو يشاهد المنة في الحالة الأولى ، والقهر في الحالة الثانية فالحق تعالى في كل ذلك متعرف إليه ، ومقبل بوجود لطفه عليه .
( قوله : وهذا معنى قول الجنيد الخ ) أي فهو يوضح ما لأبي الحسن النوري نفعنا اللّه بالجميع . ( قوله : علم التوحيد الخ ) أي وذلك ظاهر لوجود الفرق بين من تصوّر شيئا وصدق به ، وبين من قام به ذلك الشيء وتحقق به ، ويدل عليه قول بعضهم :لا يعلم الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيهافالإشارة إلى أن مجرّد علوم الظاهر لا يفيد شهود رب المظاهر ، بل إنما يتحقق ذلك للكامل بالوجود لأنه الموصل إلى المقصود إذ العلم بقاء مع الإحساس ، والوجود فناء بشهود رب الناس .
( قوله : وفي هذا المعنى أنشدوا الخ ) أي وله أشار بعضهم أيضا حيث قال شعرا :إثبات غيرك شرك في عقيدتنا * نفي السوى مذهبي يا قرة العين