بالحق بحيث ينسى نفسه فضلا عن غيره ( فهو ) أي : العبد ( كمن شهد البحر ) وأهواله ( ثم ركب البحر ) لحاجة دعت إلى ركوبه ( ثم غرق في البحر ) فإن إقدامه على ركوبه إنما حصل بطلبه واجتهاده في حصول مقصوده فإذا ركبه واختلفت عليه أمواجه قوي عليه حاله ، واشتدّ قلقه ، فإذا اغرق فيه زال عنه خوفه وقلقه لحصول الخوف واستغراقه فيه ، لذلك قيل :
إنما أجزع مما أتقي * فإذا حل فما لي والجزع
( وترتيب هذا الأمر ) وهو الإنتقال من حال إلى حال ( قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود ، وبمقدار الوجود يحصل الخمود وصاحب الوجود له صحو ومحو فحال صحوه بقاؤه بالحق وحال محوه فناؤه بالحق وهاتان الحالتان أبدا
شرح
الحق لأنه إذا صح الفناء والاضمحلال زال من فني ، وبقي من لا يزال لكونه يتحقق في مقام الجمعية الذي يوجب اجتماع الهمم في التوجه إليه تعالى والاشتغال به عما سواه وبإزائها التفرقة التي هي توزع الخاطر للاشتغال فيها بالخلق . ( قوله : فهو أي العبد كمن شهد البحر الخ ) أي لأن العارف يشهد أوّلا فيض القدرة الصفاتي ثم الفيض الذاتي المدرك في عالم الحكمة الذي لا يتوقف على استعداد بكسب ثم يغرق في شهود ذات ذي الصفات جل اسمه .
( قوله : فإن أقدامه على ركوبه الخ ) الغرض للشارح بيان وجه تشبيه التواجد والوجد والوجود ، المترتبة في الحصول بشيء محسوس تقريبا للعقول القاصرة عن إدراك شريف هذه المعاني . ( قوله : قصود الخ ) إنما جمع القصد وما بعده لتنوع مقاصد السالك ، وإذا تنوّعت مقاصده تنوّعت وارداته لكونها من ثمرات مقاصده ، وإذا تنوّعت وارداته تنوّعت مشاهداته لأنوار ذات الحق تعالى ، وإذا تنوّعت مشاهداته لتلك الأنوار تنوّع وجوده ، وذلك لظهور تحقق وجه الحق في كل شيء ، وإذا تنوّع وجوده بالوجه الذي ذكرناه تنوّع خموده ، وذلك لتلاشي ما سوى الحق في الوجه الأحق ، وذلك الخمود تابع لشريف ذلك الوجود قوّة وضعفا هذا حاصل ما أشار إليه وعوّل في كلامه عليه تأمّل في المقام ، ومني عليك السلام . ( قوله : وصاحب الوجود له صحو ومحو الخ ) أي إفاقة وانمحاق بمعنى الغيبة عما لا يعني واعلم أن المحو أنواع فمحو أرباب الظواهر رفع أوصاف العادة والخصال الذميمة ، ومحو أرباب السرائر إزالة العلل والآفات والمحو الحقيقي هو فناء الكثرة في الوحدة ومحو عين العبد هو إسقاط إضافة الوجود إلى الأعيان إذ هي شأن ذاتية ظهرت في الحضرة الواحدية بحكم العالمية ، فهي معلومات معدومة العين أبدا ، إلا أن الوجود الحق ظهر فيها ، فهي مع كونها ممكنات معدومة لها آثار في الوجود الظاهر بها ، وبصورها المعلومة فالوجود ليس إلا لعين الحق تعالى والإضافة نسبة ليس لها وجود في