( والحكاية ) الدالة على هذا ( معروفة عن أبي سعيد الخرّاز ) رحمه اللّه ( أنه قال تهت في البادية مرّة ) وأنا سائح طيب العيش مستأنس باللّه فرحا بكمال أنسي كما قال تعالى :
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
[ يونس : 58 ] ( فكنت أقول ) أخبارا عن حالي بما اجراه الحق على لساني ( أتيه فلا أدري من التيه ) أي : من أجله المقتضي لكمال شغلي بحالي ( من أنا ) أي : فلا أدري نفسي ، وما يتعلق بها ( سوى ما يقول الناس في وفي جنسي ) مما من اللّه به عليّ فأدركه ( أتيه على جن البلاد وأنسها ) أي لم ألتفت إلى جن ولا إنس ( فإن لم أجد شخصا ) منهما ( أتيه على نفسي ) ، أي : لم ألتفت إليها .
( قال فسمعت ) لما أعجبني حالي وما أنا فيه من حسن مقامي ( هاتفا ) من ملك أو ولي أو جني من قبل اللّه ( يهتف ) أي : يصيح ( بي ويقول أيا من يرى الأسباب ) أي أسباب الوصول إلى الحقيقة من الهيبة والأنس ونحوهما ( أعلى وجوده ويفرح بالتيه الدني وبالأنس فلو كنت من أهل الوجود ) أي : وجود الحق ( حقيقة ) بأن غلب وجوده على
شرح
الشارح . ( قوله : وأنا سائح طيب العيش الخ ) أخذه الشارح من قوله في شعره أتيه ، فلا أدري الخ حيث لا يكون ذلك إلا من مجالي الفرح والسرور والأنس . ( قوله : أتيه ) أي عجبا بما منحني ربي وغرقا في بحر رسول العلوم التي هي مشاعر الإنسان لأنها رسوم إلهية كالعليم والسميع والبصير ظهرت على ستور الهياكل البدنية المرخاة على باب دار القرار بين الحق والخلق ، فمن عرف نفسه وصفاتها كلها بأنها آثار الحق وصفاته ورسوم أسمائه وصورها ، فقد عرف الحق وحلّ في مقام الأنس .
( قوله : فلا أدري ) يحتمل أن عدم درايته لكونه قد وصل إلى مقام شعب الصدع الذي هو جمع الفرق وذلك بالترقي عن حضرة الواحدية إلى حضرة الأحدية ، ويقابله صدع الشعب الذي هو النزول عن حضرة الأحدية إلى حضرة الواحدية حال البقاء بعد الفناء للدعوة والتكميل .
( قوله : سوى ما يقول الناس الخ ) أي في وصف العبودية والفقر والافتقار . ( قوله :
فسمعت هاتفا الخ ) أقول وذلك من باب إشارة اللطف به من ربه حيث حمله هذا الهاتف على ما هو الأكمل والأفضل مما ذاقه وحثه على الجدّ في طلبه . ( قوله : أيا من يرى الأسباب الخ ) مراده بها واللّه أعلم كل سبب حتى ما به الترقي إلى الدرجات كالمقامات والأحوال .
( قوله : فلو كنت من أهل الوجود ) أي وهم من فني في ذات ربه فتحقق وجوده بوجوده ، بل الكمال في عدم شعوره بوجود نفسه كما يشير إليه قول بعضهم :وجودك ذنب لا يقاس به ذنب