من نتف الشعر المذكور ( وليس يستتر عني ) ألم الحقيقة ( وليس لي به طاقة ) فيه دلالة على أن مبادئ أوائل استغراقه كان في أمر لا يطيق حمله ، فكان يجذب شعر حاجبه ليحس بالألم فيتفرق عنه ما أدرك أوائله ، وأحس من نفسه العجز عنه ، ففيه دلالة على عظم ما يدخل اللّه العبد فيه من الأحوال العالية التي لا قدرة له على حملها كما مرّت الإشارة إليه . ( وحال الهيبة والأنس وإن جلتا ) بتشديد اللام أي : عظمتا ( فأهل الحقيقة يعدّونهما نقصا لتضمنهما تغير العبد ) من حال إلى حال ( فإن أهل التمكين ) وهم المتمكنون في مقاماتهم ( سمت ) أي : ارتفعت ( أحوالهم عن التغير وهم محو في وجود العين ) أي : الحق ( فلا هيبة لهم ولا أنس ولا علم ولا حس ) بخلاف صاحب الهيبة والأنس فإنهما مفرقان لإدراك الأول كونه هائبا والثاني كونه مستأنسا ولأنهما مع الوجد وهو هيبة ، وإجلال وطرب وأنس لا مع الوجود فلم يكمل استغراقهما .
شرح
( قوله : ففيه دلالة على عظم ما يدخل اللّه العبد فيه الخ ) أي بواسطة ما لابسه مما شاهده بحسب ظهور الحقيقة في جميع مراتب الأسماء والصفات المقتضية للمظاهر الغير متناهية كما يشير إليه قول بعضهم :لا تقل دارها بشرقيّ نجد * كل نجد للعامرية دار( قوله : وحال الهيبة والأنس الخ ) أي أما التأنيس ، فهو التجلي في المظاهر الحسية تأنيسا للمريد المبتدىء بالتزكية والتصفية ، ويسمى التجلي الفعلي لظهوره في صور الأشياء . ( قوله : فأهل الحقيقة ) أي ممن غلب نور الحقيقة على قلوبهم فتلاشت منها جميع الأباطيل قال تعالى :بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ[ الأنبياء : 18 ] أي فإذا جاء الحق بجولته ذهب الباطل بصولته ، وذلك لأن الحق من بساط القوّة والظهور ، وهما وصفان لا يقوم لهما شيء مع أن الحق مؤيد بالحقيقة الإيمانية معضد بالحجج البرهانية على أن الحق هو البرهان في نفسه ، والسلطان في ذاته . ( قوله : وهم محو في وجود العين ) أي محيت منهم الذوات والصفات في ذات الحق تعالى ، فلا يشهدون غيرها من مظاهر أسمائه وصفاته ، فتحصل أن الفاني في العين بمعنى الذات باق بها لا يشهد غيرها من صفات وآثار ، فهو أمكن ممن فني في الصفة لتفرّقه مع آثارها فهم في مشهد الشؤون الذاتية الكامنة في غيب الغيب كالشجرة في النواة المشار إليه بقوله :كنا حروفا عاليات لم نقل * متعلقات في ذرى أعلى القلل
أنا أنت فيه ونحن أنت وأنت هو * والكل في هو فسل عمن وصل( قوله : وهو هيبة واجلال وطرب وأنس ) أشار بذلك إلى أن الوجد قد يتحقق من مجالي الجلال والعظمة ، وقد يتحقق من مجالي الجمال واللطف ، فيثمر الحال الأوّل هيبة والثاني أنسا وعلى كل فهو بحالتيه واستشعاره بهما لم يكمل استغراقه كما ذكره