قلبي منه شيء حتى بان لي أن الأمر كذلك ) حيث ذاق ذلك وعلم أن كمال الاستغراق يزيل الإحساس بالنفس بالكلية وشاهده خبر أن الشهيد إنما يجد من الموت كما نجد من القرصة لخفة ذلك عليه بكمال شغله بجهاده ، فيأتيه الموت بالسيف ، ولا يحس به إلا كما يحس بالقرصة . ( قوله : وحكي عن أبي مقاتل العكي أنه قال : دخلت على الشبلي وهو ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش فقلت ) له ( يا سيدي أنت تفعل هذا بنفسك ويعود ألمه إلى قلبي فقال ويلك الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها ) وفي نسخة أطيقه أي : الحال الذي ورد عليّ ( فهو ذا ) أي : فالسبب هذا ( فأنا أدخل الألم على نفسي لعلي أحس به فيستتر عني ) ألم ما لا أطيقه ( فلست أجد الألم )
شرح
المسلمين من الكفار فقام أحدهما يصلي ، ونام الآخر فمكن كافر قوسه وضرب المصلي ، فأصابه السهم ، فلم يحفل به ومضى في صلاته ، وعاوده ثانيا كذلك وبثالث ، فلما رأى ذلك أيقظ صاحبه ، وقال : لولا أني خفت على المسلمين ما أيقظتك ولكن ما أنا فيه شاغل لي عما أصابني . ( قوله : لم يشعر به ) أي لوصوله إلى درجة الاصطلام بسبب الوله الغالب على القلب . ( قوله : وكان في قلبي منه شيء ) أقول ويدل له ما جاء في الخبر أن من العلم كهيئة المكفون لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا ذكروه أنكره أهل العزة باللّه وأنشدوا في ذلك شعرا :يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسناإذا علمت ذلك ، فالذي ينبغي للكامل أن يذكر الوعظ ، والتذكير لعموم المسلمين ، وما كان من البيان والتقرير ، فللخاصة من المحبين ، وما كان من الأحوال والمقامات فللمريدين والسالكين ، وما كان من الحقائق والمعارف ، فلأهل المعرفة الواصلين ، فلكل مقام مقال ، ولكل علم رجال ، وباللّه التوفيق .
( قوله : إنما يجد من الموت الخ ) أقول ولا مانع من الحمل على الحقيقة ، وإن احتمل أن الخفة بشاهد علم ما أعدّه اللّه تعالى لعباده الشهداء . ( قوله : دخلت على الشبلي الخ ) منه يعلم أنه يصدر عنهم أشياء ظاهرها المخالفة بسبب غلبة الحقيقة عليهم ، فيتداوون بها وربك أعلم بأسرار خلقه . ( قوله : الحقيقة ظاهرة ) أي أحوالها منكشفة ، وذلك بحسب تانيسهم من مولاهم ، وبما منه وإليه من الإمداد العرفانية ، والزوائد العلمية الإيمانية قال تعالى :إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا[ مريم : 96 ] فافهم . ( قوله : فيه دلالة على أن مبادي الخ ) أي لأنه كان متحققا بمقام الإرادة التي هي جمرة من نار الحب ملقاة في القلب مقتضية لإجابة دعوة الحقيقة ، وصورة الإرادة انقطاع النفس عن رؤية شيء يقع بإرادة غير اللّه وشهود ، وقوع جميع الأشياء بإرادته تعالى .