محبوبه ( هلك ) بقلقه بنيران شوقه إليه ، فلا يمكنه السكوت عنه ، بل يتروّح من كربه ويستريح من شدة حجبه عنه بما يجريه الحق على لسانه من ذكره ( والعارف إذا سكت ) عن ذكر معروفه ( ملك ) بما منحه من شريف أحواله إذ شأن العارف لكمال شغله بربه الكتمان لما وجد وشأن المحب الهيمان طلبا لما فقد . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت عبد اللّه بن محمد الرازي يقول : سمعت محمد بن نصر الصائغ يقول : سمعت مردويه الصائغ يقول : سمعت الفضيل بن عياض رحمه اللّه يقول : من عد كلامه من عمله ) الذي يحصيه اللّه عليه ويسأله عنه ( قل كلامه ) لكونه يتثبت فيه خوفا من عاقبته ، فلا يتكلم ( إلا فيما يعنيه ) أي : يحتاج إليه .
شرح
( قوله : فلا يمكنه السكوت عنه ) أي لأن حياته إنما تكون بدوام ذكر محبوبه ولهذا المشهد أشار العارف الفارضي حيث قال في ميميتهأدر ذكر من أهوى ، ولو بملامي * فإنّ أحاديث الحبيب مدامي
ليشهد سمعي من أحب ، وإن نأى * بطيف سلام لا بطيف منامي
فلي ذكرها يحلو على كل صيغة * وإن مزجوه عذلي بخصامإلى آخر ما قال . ( قوله : والعارف إذا سكت عن ذكر معروفه ملك ) أي لأنّ المحبة إذا صدقت لا تظهر على المحب العارف بلفظه ، وإنما تلوح على شمائله ولحظه ، فلا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب ، ولا يطلع على أسرارها إلا المقرب المطلوب ، ولذا قيل شعرا :تشير فأدري ما تقول بطرفها * وأطرق طرفي عند ذاك فتعلموذلك لأن محبة الخواص من العارفين خاطفة تقطع العبارة ، وتدقق الإشارة ، فلا تتضح بالنعوت ، ولا تعرف إلا بالحيرة والسكوت ، فافهم .
( قوله : من عد كلامه من عمله الخ ) أي وذلك لأنه قد ذاق العلم ووفق للعمل به ، فعلم أن حصائد اللسان مهلكة قد توجب القتل بل الخلود في النار مع القتل أعاذنا اللّه من ذلك .