رحمهم اللّه ( إنما خلق للإنسان لسان واحد وعينان وأذنان ليسمع ويبصر أكثر مما يقول ) أي : فينبغي أن يكون كلامه أقل من سماعه ورؤيته ، ولذلك حكمة أخرى ، وهو أن العبد لما احتاج أن يسمع ويرى من جهته تفضل عليه الحق بعينين وأذنين وأما اللسان ، فترجمان عما في الضمير فلا يحتاج إلى تعدده . ( ودعي إبراهيم بن أدهم إلى دعوة فلما جلس ) مع القوم عليها ( أخذوا في الغيبة فقال : عندنا يؤكل الخبز قبل اللحم وأنتم ابتدأتم بأكل اللحم أشار ) بذلك ( إلى قوله تعالى
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
[ الحجرات : 12 ] هذا من باب التلطف في التنبيه على إنكار الغيبة ، وهو مطلوب لا سيما إذا كان مرتكبها لا يحتمل الأمر والنهي لعظمته في نفسه ، أو لصغر قدر الآمر والناهي والأولى بمن ابتلي بذلك أن يعدل إلى الحكايات والأمثال ليتنبه المغتاب من نفسه على زلله ، وينكف عن غيبته فإن عجز عن ذلك عرض بحديث آخر غير ما هم فيه ليشتغل المغتابون عما هم فيه . ( وقال بعضهم : الصمت ) عن مكافأة المؤذي ( لسان الحلم ) أي : يدل على حلم من أوذي .
( وقال بعضهم : تعلم الصمت كما تتعلم الكلام ) لتوقع كلا منهما في محله ( فإن كان الكلام يهديك ) إلى الخير ( فإن الصمت يقيك ) الشر وإن كانت الوقاية دون الهداية ،
شرح
( قوله : أن يكون كلامه أقل الخ ) أي لأنّ السماع والإبصار للمشروعات من نوع الغنيمة ، وقلة القول ولو مشروعا من طرق السلامة ، والسلامة مقدّمة . ( قوله : من جهتيه الخ ) التثنية باعتبار كل من سمعه وبصره ، فلكل جهة وذلك لا ينافي أن الإدراك بالسمع من الجهات كلها ، فالجهة بالإضافة إلى السمع من قبيل المفرد المضاف . ( قوله :
فترجمان عما في الضمير ) أي وهو واحد فناسبه وحدة اللسان .
( قوله : وهو مطلوب ) أي لكونه من الأخلاق المحمدية إذ ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا كره شيئا من أحد لم يشافهه بالزجر ، بل كان يقول : « ما بال أقوام يفعلون كذا » . ( قوله : بمن ابتلى بذلك الخ ) الإشارة إلى من لا يحتمل الأمر والنهي لعظمته في نفسه أو لصغر قدر الآمر والناهي . ( قوله : فإن عجز عن ذلك ) أي عن الحكايات والأمثال ومثل ذلك ما إذا علم عدم نفعها ، وقوله عرض الخ أي لأن ذلك كله من قبيل النصح مع الإخوان المؤمنين وهو واجب شرعي . ( قوله :
الصمت عن مكافأة المؤذي الخ ) أي ومحله إذا كان فيما يخص الإنسان من الحقوق لأن العفو في حقه أفضل من المكافأة لا إذا كان فيه حق للحق ، فلا يعد الصمت عنه من الحلم ، بل هو من الجهل .
( قوله : وإن كانت الوقاية دون الهداية ) أي وذلك لأنّ الوقاية من نوع السلامة ، وهي مقدمة على الغنيمة كالهداية ، وإنما قدّمت الوقاية مع أنها أقل من الهداية بعدا عن خطر