لسانك لم تنج من كلام قلبك ) لأن الكلام في الفؤاد واللسان مترجم عما فيه وما فيه هو حديث النفس ، ولا تقدر على إسكاته ( ولو صرت رميما لم تتخلص من حديث نفسك ) فكيف تقدر على إسكاته ، وأما الروح فهي عند جماعة من الصوفية معنى له تعلق باللّه تعالى وصفاته ونيل قرب منه ، ومناجاة له وعند كثير منهم كما مر بيانه أوّل الكتاب مع زيادة جوهر مجرّد قائم بنفسه غير متحيز متعلق بالبدن للتدبير ، والتحريك غير داخل فيه ، ولا خارج عنه فلا التفات لها إلى حديث النفس لكمال شغلها عنه ، ولهذا قال ( ولو جهدت كل الجهد ) في أن تكلمك روحك ( لم تكلمك روحك لأنها كاتمة للسر ) والمراد أن العبد إذا صمت بلسانه لا يكتفي به ، بل لا بدّ أن يقع عن نفسه فضول الفكر عن قلبه . ( وقيل : لسان الجاهل مفتاح حتفه ) يعني قتله بسبب عثرة لسانه ، ففيه تنبيه على التحذير من كثرة الكلام ، وقد يغلط اللسان غلطة يكون فيها قتل النفس وهلاكها في الدنيا وفي الآخرة . ( وقيل : المحب إذا سكت ) عن ذكر
شرح
« استفت قلبك » الحديث فافهم . ( قوله : لو أسكت لسانك الخ ) يشير إلى أنه ينبغي للعبد الرجوع إلى الحق في حفظه نفسا وجوارحا ظاهرة وباطنة إذ لا قدرة على شيء من ذلك إلا له تعالى .
( قوله : وأما الروح الخ ) ذكرها في مقابلة النفس بناء على تغايرهما ، وقد قيل بذلك في طريق القوم فإن النفس عندهم هي متعلق المجاهدات حتى تفنى عن حظوظها ، وتصل إلى مقام شرفها ، وأما الروح فهي بذاتها من عالم النور لا تلابس شيئا من الظلمات واللّه أعلم . ( قوله : غير داخل فيه الخ ) أي وذلك لأنها من المجردات على ما عليه أهل التحقيق . ( قوله : لأنها كاتمة السر ) أي ولهذا كانت من عالم الغيب والأمر بشاهد قوله جل اسمه :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي[ الإسراء : 85 ] . ( قوله : بل لا بدّ أن يقطع الخ ) أي فحقيقة الزهد الإعراض عن جميع حظوظ النفس وحظوظ الجوارح الظاهرة والباطنة . .
( قوله : وقيل لسان الجاهل مفتاح حتفه ) أي سبب في موته وذلك لأنه يفوه من غير قلبه ، أو عن قلبه المظلم بظلمات المخالفات والجهالات بسائر العلوم اللازمة لصفاء القلوب ، وزيادة تذكرها ويقظتها ، واعلم أنه لما كانت فلتات الجوارح غير اللسان يمكن تلافيها وتداركها ، ولا كذلك اللسان كانت جرائمه أهلك للنفس ، فعلى العاقل مراعاة حفظه دائما وأبدا ، ولهذا قيل ما ندم من سكت فتدبر .
( قوله : إذا سكت الخ ) حمله الشارح على ذكر اللسان ، وذلك من نوع القصور ، فالأولى حمله على الأعم من ذكر اللسان والقلب ، بل عادة المحبين لزيادة غيرتهم على محبوبهم يكون ذكرهم له قلبيا قال الشاعر :أغالط عذالي إذا ذكروا له * حديثا كأني لا أحب له ذكرا