والخوف ممدوح ومطلوب ( قال اللّه تعالى :
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
[ السجدة :
16 ] وقال :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] ، وقال :
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
[ الأنبياء : 90 ] . ( أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس الحيري العدل ) رحمه اللّه ( قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلويه الدقاق ) بضم اللام المشدّدة ( قال حدثنا محمد بن يزيد قال : حدثنا عامر بن أبي الفرات قال : حدثنا المسعودي عن محمد بن عبد الرحمن عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا يدخل النار من بكى من خشية اللّه تعالى » ) أي من خوفه منه ( حتى يلج اللبن في الضرع ، ولا يجتمع غبار في سبيل اللّه ، ودخان جهنم
شرح
للتعظيم ، والمراد بقوله تعالى :جَنَّتانِيحتمل أنه على معنى أن للخائف الانسي جنة ، وللخائف الجني جنة فإن الخطاب للفريقين ، والمعنى لكل خائفين منكما أو لكل واحد منكما جنة لعقيدته وأخرى لعمله ، أو جنة لفعل الطاعات ، وأخرى لترك المعاصي ، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل عليه بها ، أو روحانية وجسمانية .
( قوله : ويدعوننا رغبا ورهبا ) أي راغبين في الثواب وراجين الإجابة أو راغبين في الطاعة وخائفين من العقاب والمعصية ، أو للرغبة والرهبة ،وَكانُوا لَنا خاشِعِينَأي مخبتين متضرعين ، أي دائمي الوجل ، وحاصل المعنى أن الأنبياء المذكورين نالوا ما نالوا من إحسان اللّه تعالى بسبب اتصافهم بهذه الصفات الحميدة المذكورة في الآية الشريفة ، فمن كان من هذه الأمة على مثل هذه الصفات يثبت له مثل أو قريب مما ثبت لهم صلوات اللّه وسلامه عليهم ، غير أنه يشترط أن تكون أحوالهم دائرة بين الرجاء والخوف على ما دلت عليه متابعة السيد الكامل صلى اللّه عليه وسلم لأن تحكيم الرجاء دائما أو الخوف دائما مذموم شرعا لما يترتب على كل من التفريط والقنوط ، وذلك المذكور في الآية هو المطلوب من العبيد ، فإذا قاموا بما طلبه الحق منهم قام لهم بما طلبه من نفسه لهم فضلا منه وإحسانا ، لأن المقصود من العارفين الصدق في العبودية ، والقيام بحقوق الربوبية ، وذلك بالتزام أحكامها ، ومدار ذلك على أمور ثلاثة : التشمير للحقوق ، والإعراض عن كل مخلوق ، والاستسلام تحت جريان المقادير والأحكام ، وقد يعبر عن ذلك بامتثال أمره ، والاستسلام لقهره تدبر .
( قوله : لا يدخل النار من بكى من خشية اللّه تعالى ) أي لا يدخلها أصلا إن دام على الخوف بمعونة التوفيق ، أو المراد نار الخلود لا نار التطهير ، هذا ، وفي الخبر المذكور تنبيه على فضل الخشية ، والجهاد بذكر ثمرتهما . . ( قوله : حتى يلج اللبن في الضرع ) أي حتى يدخل فيه بعد انفصاله عنه وهو من المحال العادي فالمعنى حينئذ أن من بكى من خشية اللّه لا يدخل النار أصلا .
( قوله : ولا يجتمع غبار في سبيل اللّه ) أي ابتغاء مرضاة اللّه ، ولإعلاء كلمة اللّه ودخان جهنم في منخري عبد أبدا أي إذا مات في الجهاد ، أو عاش على سداد التوفيق